الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥٢ - تأويل آية
و جوّ زاهر للرّيح فيه # نسيم لا يروع التّرب، و ان [١]
بها سقت الشّباب إلى مشيب # يقبّح عندنا حسن الزّمان
و أنشد إبراهيم بن إسحاق الموصلىّ:
ألا يا حبّذا جنبات سلمى # و جاد بأرضها جون السّحاب!
خلعت بها العذار و نلت فيها # مناى بطاعة أو باغتصاب
أسوم بباطلى طلبات لهوى # و يعذرنى بها عصر الشّباب
فكلّ هؤلاء على ما ترى قد أفصحوا بأن سبب حنينهم إلى الأوطان ما لبسوه فيها من ثوب الشباب، و استظلوه من ظلّه، و أنضوه من رواحله، و أنه كان يعذرهم و يحسن قبائحهم.
فعلى أى شيء يغلو الناس فى قول ابن الرومى:
و حبّب أوطان الرّجال إليهم # مآرب قضّاها الشّباب هنالكا [٢]
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم # عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
و يزعمون أنه سبق إلى ما لم يسبق إليه، و كشف عن هذا المعنى مستورا، و وسم غفلا!و قوله و إن كان جيد المعنى سليم اللفظ، فلم يزد فيه على من تقدم و لا أبدع، بل اتبع؛ و لكن الجيد إذا ورد ممّن يعهد منه الردىء كثر استحسانه؛ و زاد استطرافه.
و لقد أحسن البحترىّ فى قوله فى هذا المعنى:
فسقى الغضى و النّازلية و إن هم # شبّوه بين جوانح و قلوب [٣]
و قصار أيّام به سرقت لنا # حسناتها من كاشح و رقيب
خضر تساقطها الصّبا فكأنّها # ورق يساقطه اهراز قضيب
[١] حاشية الأصل: «قوله: «لا يروع الترب» ، من أحسن الكلام؛ أى لا يرفع فيغير؛ فكأن هبوبها يسالم التراب و لا يخوفه بأن يرفعه أو يحركه» .
[٢] ديوانه الورقة ٢٠٢.
[٣] ديوانه ١: ٥٧.