الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٩ - مسألة
مسألة
اعلم أنّ من عادة العرب الإيجاز و الاختصار و الحذف طلبا لتقصير الكلام و اطّراح فضوله، و الاستغناء بقليله عن كثيره؛ و يعدّون ذلك فصاحة و بلاغة. و فى القرآن؛ من هذه الحذوف، و الاستغناء بالقليل من الكلام عن الكثير مواضع كثيرة نزلت من الحسن فى أعلى منازله؛ و لو أفردنا لما فى القرآن من الحذوف الغريبة، و الاختصارات العجيبة كتابا لكان واجبا.
فمن ظاهر ذلك قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اَلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ اَلْمَوْتىََ ؛ [الرعد: ٣١]و لم يأت ل لَوْ جواب فى صريح الكتاب؛ و إنما أراد: لو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا. و مثل هذا الحذف ما روى عن النبىّ صلى اللّه عليه و آله من قوله: «لو كتب هذا القرآن فى إهاب و طرح فى النار ما أحرقته النار» ؛ و المراد: و كانت النار مما لا يحرق جسما لجلالة قدره ما أحرقته؛ فحذف ذلك اختصارا لدلالة الكلام عليه، و مثل هذا قوله تعالى: إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهََا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً جَهُولاً ؛ [الأحزاب: ٧٢]و تقديره: إن السموات و الأرض و الجبال لو كنّ مما يأبى و يشفق، و عرضنا عليهنّ الأمانة لأبين و أشفقن. و جعل المعلوم بمنزلة الواقع فقال: عَرَضْنَا من حيث علم أن ذلك المشروط لو وقع شرطه لحصل هو.
و هذا التأويل الّذي استخرجناه أولى مما ذكره المفسّرون من أنه تعالى أراد: عرضنا الأمانة على أهل السموات و الأرض؛ لأن أهل السموات و الأرض هم الناس و الملائكة، فأىّ معنى لقوله وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ و هو يريد الجنس!و مثله قول الشاعر:
*امتلأ الحوض و قال قطنى [١] *
[١] بعده:
*حسبى رويدا قد ملأت بطنى*
و البيت فى مقاييس اللغة ٥: ١٤.