الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٦ - تأويل آية
و إنما أراد البحترىّ بقوله: «ذنب كما سحب الرداء» المبالغة فى وصفه بالطول و السبوغ و أنه قد قارب أن ينسحب، و كاد يمسّ الأرض. و من شأن العرب أن تجرى على الشيء الوصف الّذي قد كان قد يستحقه، و قرب منه القرب الشديد فيقولون: قد قتل فلانا هوى فلانة، و دلّه [١] عقله؛ و أزال تمييزه و أخرج نفسه، و كل ذلك لم يقع و إنما أرادوا المبالغة و إفادة المقاربة و المشارفة؛ و نظائر ذلك أكثر من أن تحصى.
و من شأنهم أيضا إذا أرادوا المبالغة التامة أن يستعملوا مثل هذا؛ فيشبهون الكفل بالكثيب و بالدّعص و بالتلّ، و يشبهون الخصر بوسط الزنبور، و بمدار [٢] حلقة الخاتم، و يعدّون هذا غاية المدح و أحسن الوصف، و نحن نعلم أنا لو رأينا من خصره مقدار وسط الزنبور، و كفله كالكثيب العظيم لاستبعدناه و استهجنا صورته لنكارتها و قبحها، و إنما أتوا بألفاظ المبالغة صنعة و تأنقا، لا لتحمل على ظواهرها تحديدا و تحقيقا؛ بل ليفهم منها الغاية المحمودة، و النهاية المستحسنة، و يترك ما وراء ذلك، فإنا نفهم من قولهم: خصرها كخصر الزنبور أنه فى نهاية الدقة المستحسنة فى البشر، و من قولهم/: كفلها كالكثيب أى أنه فى نهاية الوثارة المحمودة المطلوبة، لا أنه كالتل على التحقيق؛ فهكذا لا ننكر أن يريد البحترى بقوله:
«كما سحب الرداء» أنه فى غاية الطول الممدوح، لا أنه ينجرّ على الأرض الحقيقة، و وكلنا فى تخليص معناه و تفصيله إلى العادة الجارية لنظرائه من الشعراء فى استعمال مثل اللفظ الّذي استعمله؛ و قد قال بعضهم فى ثقل العجيزة:
تمشى فتثقلها روادفها # فكأنها تمشى إلى خلف
و قال المؤمل:
من رأى مثل حبّتى # تشبه البدر إذ بدا
تدخل اليوم ثمّ تد # خل أردافها غدا
و قال ذو الرمة:
و رمل كأوراك العذارى قطعته # وفد جلّلته المظلمات الحنادس
[١] حاشية الأصل: «نسخة ش: و وله» .
[٢] حاشية الأصل (من نسخة) : «بمقدار» .