الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٢ - تأويل خبر
و منها أنّ أبا عبيد لم يحكم على هذا المصاب بولده بمسّ النار، و إنما حكم عليه بالورود، /و الورود لا يوجب ألاّ يكون من الأبرار؛ لأن «إلاّ» معناه الاستثناء المنقطع، فكأنه قال: فتمسّه النار لكن تحلّة اليمين، أى لكن ورود النار لا بدّ منه، فجرى مجرى قول العرب: سار الناس إلا الأثقال، و ارتحل العسكر إلاّ أهل الخيام، و أنشد الفرّاء:
و سمحة المشى شملال قطعت بها # أرضا يحار بها الهادون ديموما [١]
مهامها و حزونا لا أنيس بها # إلاّ الصّوائح و الأصداء و البوما [٢]
و أنشد الفراء أيضا:
ليس عليك عطش و لا جوع # إلاّ الرقاد، و الرّقاد ممنوع
فمعنى الحديث: لا يموت للمسلم ثلاثة من الولد فتمسه النار البتة، لكن تحلّة اليمين لا بدّ منها، و تحلّة اليمين الورود، و الورود لا يقع فيه مسّ.
و قال أبو بكر: و قد سنح لى فيه قول آخر: و هو أن تكون «إلا» زائدة دخلت للتوكيد، و «تحلّة» اليمين منصوب على الوقت و الزمان، و معنى الخبر: فتمسه النار، وقت تحلّة القسم، و «إلا» زائدة.
قال الفرزدق شاهدا لهذا:
هم القوم إلاّ حيث سلّوا سيوفهم # و ضحّوا بلحم من محلّ و محرم [٣]
معناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم، و «إلا» مؤكدة.
و قال الأخطل:
يقطّعن إلاّ من فروع يردنها # بمدحة محمود نثاه و نائله [٤]
معناه يقطعون من فروع يردنها، و الفروع: الواسعة من الأرض.
[١] سمحة المشى: سهلة المشى. و الشملال: الناقة السريعة. و الديموم و الديمومة. الفلاة يدوم السير فيها لبعدها.
[٢] لا أنيس بها: لا أحد بها. و الضوابح: جمع ضابح، و الضباح صوت الثعالب. و الأصداء:
جمع صدى، و هو الهامة.
[٣] ديوانه ٢: ٧٦٠.
[٤] ديوانه: ٦٣ و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «و يقطعن» . و فى الديوان:
*إليكم من الأغوار حتى يزرنكم*
.