الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩٠ - مسألة
العلم إذا كانت تقع من جاهل؛ و يكون سببها المولد؛ و إذا كانت الإصابة بالمواليد فالنظر فى علم النجوم عبث و لعب لا يحتاج إليه؛ لأن المولد إن اقتضى الإصابة أو الخطأ فالتعلّم لا ينفع، و تركه لا يضرّ؛ و هذه علة تسرى إلى كل صنعة حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق، و صانع حاذق، و ناسج للديباج، و مدبّق لا علم له بتلك الصناعة؛ و إنما اتفقت الصنعة بغير علم لما تقتضيه كواكب مولده، و ما يلزم على هذا من الجهالات لا يحصى.
و اعلم أن التعب بعلم مراكز الكواكب و أبعادها و أشكالها و تسييراتها متى لم تكن ثمرته العلم بالأحكام، و الاطلاع على الحوادث قبل كونها لا معنى له و لا غرض فيه؛ لأنه لا فائدة فى أن يعلم ذلك كلّه، و تختص نفس العلم به، و ما يجرى الاطلاع على ذلك إذا لم تتعد المعرفة إلى العلم بالأحكام إلا مجرى العالم بعدد الحصى وكيل النوى، و معرفة أطوار الجبال و أوزانها.
و كما أن العناء فى تعرّف ذلك عبث و سفه لا يجدى نفعا، فكذلك العلم بشكل الفلك و تسييرات كواكبه و أبعادها، و المعرفة بزمان قطع كل كوكب للفلك و تفاصيلها فيه، و ما شقى [١] القوم بهذا الشأن و أفنوا أعمارهم إلاّ لتقديرهم أنه يفضى إلى معرفة الأحكام؛ فلا تغترّ بقول من يقول منهم: إنا ننظر فى ذلك لشرف نفوسنا بعلم الهيئة و لطيف ما فيها من الأعاجيب؛ فإن ذلك تجمّل منهم، و تقرّب إلى أهل الإسلام، و لو لا أن غرضهم معرفة الأحكام لما تعنّوا بشيء من ذلك كلّه، و لا كانت فيه فائدة، و لا منه عائدة.
و من أدلّ الدليل على بطلان أحكام النجوم أنّا قد علمنا أنّ من جملة معجزات الأنبياء عليهم السلام الإخبار عن الغيوب، و عدّ ذلك خارقا للعادات؛ كإحياء الميت و إبراء الأكمه و الأبرص؛ و لو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا، لم يكن ما ذكرناه معجزا و لا خارقا للعادة.
و كيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم، و قد أجمع المسلمون قديما و حديثا على تكذيب المنجمين، و الشهادة بفساد مذاهبهم و بطلان أحكامهم!و معلوم من دين الرسول عليه السلام ضرورة التكذيب بما يدّعيه المنجمون، و الإزراء عليهم؛ و التعجيز لهم؛ و فى الروايات عنه عليه السلام من ذلك ما لا يحصى كثرة؛ و كذلك عن علماء أهل بيته عليهم السلام و خيار
[١] من نسخة بحاشيتى ف، ط: «سعى» .