الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٢ - تأويل آية أخرى
غير واجبة، و قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ لا تدلّ أيضا على أن ذلك يكون واقعا بعد ما خبر تعالى عنه فى الآية الأولى؛ فكأنه تعالى قال على هذا الوجه: إنا نحشرهم فى الآخرة و نقول: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟و ما كان فتنتهم و سبب ضلالهم فى الدنيا إلا قولهم:
وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ .
و قد قيل فى الآية-على تسليم أنّ هذا القول يقع منهم فى الآخرة-: إنّ المراد به أنا ما كنا عند نفوسنا و فى اعتقادنا مشركين؛ بل كنا نعتقد أنا على الحق و الهدى، و قوله تعالى من بعد:
اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلىََ أَنْفُسِهِمْ لم يرد هذا الخبر الّذي وقع منهم فى الآخرة؛ بل إنهم كذبوا على أنفسهم فى دار الدنيا بإخبارهم/أنهم مصيبون محقّون غير مشركين؛ و ليس فى الظاهر إلا أنهم كذبوا على أنفسهم من غير تخصيص بوقت؛ فلم يحمل على آخرة دون دنيا.
و لو كان للآية ظاهر يقتضي وقوع ذلك فى الآخرة لحملناه على الدنيا؛ بدلالة أن أهل الآخرة لا يجوز أن يكذبوا لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح.
فأما قوله تعالى حاكيا عنهم: يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ و قوله تعالى: فإنّهم لَكََاذِبُونَ فمن الناس من حمل الكلام كله على وجه التمنى؛ فصرف قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ إلى غير الأمر الّذي تمنوه؛ [١] لأن التمنى لا يصح معه الصدق و الكذب [١] ؛ لأنهما إنما يدخلان فى الأخبار المحضة؛ لأن قول القائل: ليت اللّه رزقنى ولدا؛ و ليت فلانا أعطانى مالا أفعل به كذا و كذا لا يكون كذبا و لا صدقا؛ وقع ما تمناه أو لم يقع؛ فيجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ مصروفا إلى حال الدنيا، كأنه تعالى قال: و هم كاذبون فيما يخبرون به عن أنفسهم فى الدنيا من الإضافة و اعتقاد الحق؛ أو يريد أنّهم كاذبون أن خبّروا [٢] عن أنفسهم أنهم متى ردوا آمنوا و لم يكذبوا؛ و إن كان ما كان مما حكى عنهم من التمنى ليس بخبر.
(١-١) حاشية الأصل (من نسخة) ؛ «لأن التمنى لا يصح فيه معنى الصدق و الكذب» .
[٢] حاشية الأصل (من نسخة) : «أن يخبروا» .