الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٥ - مسألة
عنه، فأشرنا إلى إضمار ما تقدم ذكره حتى يصحّ الشرط، و يطابق المشروط، لأن من اتقى الحرام فيما يطعم لا جناح عليه فيما يطعم؛ لكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخلّ به من واجب، و ضيّعه من فرض، فإذا شرطنا أنه مع اتقاء القبيح ممّن آمن باللّه و بما أوجب عليه الإيمان به، و عمل الصالحات ارتفع الجناح عنه من كلّ وجه.
و ليس بمنكر حذف ما قدرناه لدلالة الكلام عليه، فمن عادتهم أن يحذفوا ما يجرى هذا المجرى، و تكون قوة الدّلالة عليه و سوقها إليه مغنيين عن النطق به. و فى القرآن و فصيح كلام العرب و أشعارها أمثلة كثيرة لذلك لا تحصى، فمنه قوله تعالى: وَ إِذْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ وَ اَلْفُرْقََانَ [البقرة: ٥٣]؛ فقد ذكر فى الآية وجوه؛ من أوضحها أنه تعالى أراد: آتينا موسى الكتاب و محمدا الفرقان، لأنه لما عطف الفرقان على الكتاب الّذي أوتيه موسى عليه السلام، و علمنا أنه لا يليق به-لأن الفرقان ليس مما أوتيه موسى عليه السلام-وجب أن نقدّر ما يطابق ذلك.
و مثله قول الشاعر:
تراه كأنّ اللّه يجدع أنفه # و عينيه إن مولاه بات له وفر [١]
لما كان الجدع لا يليق بالعين-و إن كانت معطوفة على الأنف الّذي يليق به الجدع- أضمرنا ما يليق بالعين، و هو البخص و ما يجرى مجراه.
و مثله:
يا ليت زوجك قد غدا # متقلّدا سيفا و رمحا
و مثله:
*علفتها تبنا و ماء باردا [٢] *
و الإضمار مع قوة الدّلالة أحسن من الإظهار، و أدخل فى البلاغة و الفصاحة.
[١] حاشية الأصل (من نسخة) : «كان له وفر» ، و البيت فى (الحيوان ٦: ٤٠) ؛ و نسبه إلى خالد بن الطيفان؛ و قد أورده المؤلف فى هذا الجزء ص ٢٥٩.
[٢] بقيته:
*حتى شتت همّالة عيناها*
و هو من شواهد ابن عقيل ١: ٥٢٤، و قد أورده المؤلف كاملا فى هذا الجزء ص ٢٥٩.