الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٣ - مسألة
و الجواب عن المسألة الثانية [١] أنه غير ممتنع عندنا أن يخلو الزمان الطويل و القصير من رسول مبعوث بشريعة؛ و إن كان لا يخلو من إمام؛ و لهذا يقول أصحابنا: إن الإمامة واجبة فى كلّ زمان؛ و ليست كذلك النبوة.
و الوجه فيه أنّ إرسال الرسول تابع لما يعلمه اللّه من المصالح للمكلّفين فى الشرائع و العبادات؛ و غير بعيد فى العقل أن يعلم تعالى أنّه لا شيء من الشرائع فيه مصلحة للمكلّفين؛ فلا تجب الرّسالة بل لا تحسن. فأما قوله تعالى: وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً ، و قوله: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ و قوله: وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ لَهََا مُنْذِرُونَ ؛ فيجوز أن يكون مخصوصا غير عام؛ و يعنى به من الشرائع و العبادات من ألطافه؛ فإن دلّ دليل قاطع على عموم هذه الظواهر قطعنا لأجله على أن الشرائع من ألطاف المكلّفين؛ و إن كان جائزا فى العقل ألاّ يكون الأمر على ذلك.
و قد اختلف أهل التأويل فى تأويل هذه الآية، فقال جماعة: إن لفظة «ما» هاهنا للنفى، و المراد أن آباءهم ما أنذروا، لأنّ المصلحة لم تقتض بعثة رسول إليهم؛ و ليس من المعلوم لنا أنّ عيسى عليه السلام كان الحجة على كلّ مكلّف كان بين زمانه و بين زمان نبيّنا عليه السلام.
و يقوّى هذا الجواب إثبات الفترة و أنّه عليه السلام بعث على فترة من الرسل.
و ذهب قوم من أهل التأويل إلى أن «ما» فى الآية ليست للنّفى بل للإثبات؛ و المراد:
لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم؛ و هذا أيضا جائز.
و يقوّى هذا الجواب و يضعف الأول أن قوله تعالى: فَهُمْ غََافِلُونَ يقتضي الذمّ لهم بالغفلة؛ و ذلك يقتضي أنهم أنذروا فغفلوا و أعرضوا. و لا يذمّ بالغفلة من لا سبيل له إلى العلم و التبين.
و فى الناس من حمل قوله تعالى: مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ على النفى، و المراد أنه لم ينذرهم من هو منهم و على نسبهم و من أنفسهم؛ كما قال تعالى: لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
[١] انظر ص ٣٢٠ من هذا الجزء.