الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٠٢ - تأويل آية
/و ليس الّذي استبعدوه و أنكروه ببعيد و لا منكر، لأن النسيان قد يخص شيئا دون شيء، و يتعلّق بجهة دون جهة، و هذا أمر متعارف، فلا ينكر أن ينسى الإنسان شيئا قصده و عزم على الكلام فيه، و يكون مع ذلك ذاكرا لغيره، متكلّما فيه بأبلغ الكلام و أحسنه، بل ربما كان الحصر و الذّهاب عن القصد يحميان القريحة، و يوقدان الفكرة، و يبعثان على أحسن الكلام و أبرعه، ليكون ذلك هربا من العىّ و انتفاء من اللّكنة.
و من أحسن ما روى من الكلام و أبرعه فى حال الحصر و الانقطاع عن المقصود من الكلام ما أخبرنى به أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم.
قال المرزبانىّ: و أخبرنا ابن دريد مرة أخرى قال حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبىّ قالا: صعد خالد بن عبد اللّه القسرىّ [١] يوما المنبر بالبصرة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن الكلام-و قال أبو حاتم: إن هذا القول-يجيء أحيانا، و يذهب أحيانا، فيتسبب عند مجيئه سببه، و يعزّ عند عز و به طلبه، و ربما كوبر فأتى، و عولج فأبطأ و قال ابن الكلبى: ربما طلب فأبى، و عولج فقسا-فالتّأتى لمجيئه أصوب من التعاطى لأبيّه» . ثم نزل. فما رؤى حصر أبلغ منه.
و قال أبو حاتم: «و التّرك لأبيّه أفضل من التعاطى لمجيئه، و تجاوزه عند تعززه أولى من طلبه عند تنزّحه؛ و قد يختلج من الجريء جنانه، و يرتج على البليغ لسانه» ، ثم نزل.
و أخبرنا بهذا الخبر أبو عبيد اللّه المرزبانىّ على وجه آخر قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطىّ قال: كان خالد بن عبد اللّه القسرى حين ولاّه هشام بن عبد الملك يكثر الخطب و التبالغ، فقدم واسطا، فصعد المنبر فحاول الخطبة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن هذا الكلام يجيء أحيانا و يعزب أحيانا، فيعز عند عزوبه طلبه؛ و يتسبب عند مجيئه سببه، و ربما كوثر فأبى، و عوسر فقسا، و التأتّى لمجيئه أسهل من التعاطى لأبيه؛ و تركه عند تعزّزه [٢] أحمد من طلبه
[١] فى حاشيتى الأصل، ف: «القسرىّ: منسوب إلى قسر، و هى قرية من قرى العرب» .
[٢] ف: «تعذره» .