الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٠٤ - تأويل آية
خطب على بعض منابر الشام و إن عمرو بن العاص لما بلغه كلامه قال: هنّ مخرجاتى من الشام؛ استحسانا لكلامه.
و روى محمد بن يزيد النحوىّ قال: بلغنى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد-و كان واليا على قوم-فقال لهم: «أيها الناس، إنى إلاّ أكن فارسا طبّا بهذا القرآن فإن معى من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه، و ما أساء القائل أخو البراجم [١] حيث يقول:
و ما عاجلات الطّير يدنين للفتى # رشادا، و لا من ريثهنّ يخيب [٢]
و ربّ أمور لا تضيرك ضيرة # و للقلب من مخشاتهنّ وجيب [٣]
و لا خير فيمن لا يوطّن نفسه # على حادثات الدّهر حين تنوب [٤]
و فى الشّكّ تفريط، و فى الحزم قوّة # و يخطى الفتى فى حدسه و يصيب [٥]
/فقال له رجل من كلب: إنّ هذا المنبر لم ينصب للشعر، بل ليحمد اللّه عليه و يصلّى على النبي صلّى اللّه عليه و آله و للقرآن، فقال: أما لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسرّكم، فكتب إلى يزيد بذلك فعزله، و قال: قد كنت أرى أنك جاهل، و لم أحسب أنّ الحمق بلغ بك هذا كلّه، فقال له: أحمق منّى من ولاّنى.
[١] الأبيات فى الكامل ٣: ٢٠١-بشرح المرصفى؛ و نسبها إلى ضابئ بن الحارث البرجمى؛ و قبلها:
و من يك أمسى بالمدينة رحله # فإنى و قيار بها لغريب
.
[٢] رواية الكامل:
و ما عاجلات الطّير تدنين من الفتى # نجاحا و لا عن ريبهنّ يخيب
قال المبرد فى شرح البيت: "يقول: إذا لم تعجل له طير سانحة فليس ذلك بمبعد خيرا عنه، و لا إذا أبطأت خاب؛ فعاجلها لا يأتيه بخير، و آجلها لا يدفعه عنه إنما له ما قدّر له؛ و العرب تزجر على السانح و تتبرك به، و تكره البارح و تتشاءم به؛ و السانح ما أراك ميامنه فأمكن الصائد، و البارح ما أراك مياسره فلم يمكن الصائد إلا أن ينحرف له".
[٣] المخشاة كالمخشية: مصدر خشية يخشاه، و وجيب القلب:
خفقانه و اضطرابه.
[٤] حاشية الأصل (من نسخة) : «حيث تنوب» .
[٥] و بعده:
و لست بمستبق صديقا و لا أخا # إذا لم تعدّ الشيء و هو يريب
.