الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٣ - تأويل آية
قيل: فألاّ اقتصر على هذا، و حمل الكلام على أنه تعالى أنزل شيئا من القرآن فى شهر رمضان و لم يحتج إلى أن يجعل لفظة فِيهِ بمعنى فى فرضه و إيجاب صومه.
و الجواب الصحيح، أن قوله تعالى: اَلْقُرْآنُ فى هذا الموضع لا يفيد العموم و الاستغراق، و إنما يفيد الجنس من غير معنى الاستغراق، فكأنه قال: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ هذا الجنس من الكلام؛ فأىّ شيء نزل منه فى الشهر فقد طابق الظاهر.
و ليس لأحد أن يقول: إن الألف و اللام هاهنا لا يكونان إلا للعموم و الاستغراق؛ لأنا لو سلمنا أن الألف و اللام صيغة العموم و الصورة المقتضية لاستغراق الجنس لم يجب أن يكون هاهنا بهذه الصفة؛ لأن هذه اللفظة قد تستعمل فى مواضع كثيرة من الكلام و لا يراد بها أكثر من الإشارة إلى الجنس و الطبقة من غير استغراق و عموم؛ حتى يكون حمل كلام المتكلم بها على خصوص أو عموم؛ كالناقض لغرضه و المنافى لمراده؛ أ لا ترى أن القائل إذا قال:
فلان يأكل اللحم، و يشرب الخمر، و ضرب الأمير اليوم اللصوص، و خاطب الجند لم يفهم من كلامه إلا محض الجنس و الطبقة من غير معنى خصوص و لا عموم؛ حتى لو قيل له: فلان يأكل جميع اللحم، و يشرب جميع الخمر أو بعضها لكان جوابه: إننى لم أرد عموما و لا خصوصا؛ إنما أريد أنّه يأكل هذا الجنس من الطعام، و يشرب هذا الجنس من الشراب؛ فمن فهم من كلامى العموم أو الخصوص فهو بعيد من فهم مرادى.
و أرى كثيرا من الناس يغلطون فى هذا الموضع، فيظنون أنّ الإشارة إلى الجنس من غير إرادة العموم و الاستغراق ليست مفهومة؛ حتى يحملوا قول من قال: أردت الجنس فى كل موضع على العموم؛ و هذا بعيد ممّن يظنه؛ لأنه كما أنّ العموم و الخصوص مفهومان/ فى بعض المواضع بهذه الألفاظ فكذلك الإشارة إلى الجنس و الطبقة من غير إرادة عموم و لا خصوص مفهومة مميزة؛ و قد ذكرنا أمثلة ذلك.
فأما قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فأكثر المفسرين حملوه على أنّ المراد بمن شهد منكم الشهر من كان مقيما فى بلد غير مسافر. و أبو عليّ حمله على أنّ المراد