الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨٥ - مسألة
أكثرها معترض. و أشفّ [١] ما قيل فى ذلك أن الحياة معلوم أن الحرارة الشديدة، كحرارة النار تنفيها و لا تثبت معها. و معلوم أنّ حرارة الشمس أشدّ و أقوى من حرارة النار بكثير؛ لأنّ الّذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أو يزيد على حرارة النار؛ و ما كان بهذه الصفة من الحرارة يستحيل كونه حيّا.
و أقوى من ذلك كلّه فى نفى كون الفلك و ما فيه من شمس و قمر و كوكب أحياء السمع و الإجماع؛ فإنه لا خلاف بين المسلمين فى ارتفاع الحياة عن الفلك و ما يشتمل عليه من الكواكب، و أنها مسخّرة مدبّرة مصرّفة؛ و ذلك معلوم من دين رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ضرورة؛ و إذا قطعنا على نفى الحياة و القدرة عن الكواكب، فكيف تكون فاعلة!
و على أننا قد سلّمنا لهم استظهارا فى الحجة أنها قادرة؛ قلنا: إن الجسم و إن كان قادرا فإنه لا يجوز أن يفعل فى غيره إلاّ على سبيل التوليد؛ و لا بدّ من وصلة بين الفاعل و المفعول فيه، و الكواكب غير مماسّة لنا، و لا وصلة بيننا و بينها، فكيف تكون فاعلة فينا!فإن ادّعى أن الوصلة بيننا الهواء؛ فالهواء أوّلا لا يجوز أن يكون آلة فى الحركات الشديدة، و حمل الأثقال؛ ثم لو كان الهواء آلة تحرّكنا بها الكواكب لوجب أن نحسّ بذلك، و نعلم أنّ الهواء يحرّكنا و يصرّفنا؛ كما نعلم فى غيرنا من الأجسام إذا حركناه بآلة يوضع تحريكه لنا بها. على أنّ فى الحوادث الحادثة فينا ما لا تجوز أن يفعل بآلة، و لا يتولّد عن سبب، كالإرادات و الاعتقادات و أشياء كثيرة؛ فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا و هى لا يصحّ أن تكون مخترعة للأفعال؛ لأن الجسم لا يجوز أن يكون قادرا إلا بقدرة، و القدرة لا تجوز لأمر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال.
فأما الأدمة فليس تؤثّرها الشمس على الحقيقة فى وجوهنا و أبداننا؛ و إنما اللّه تعالى هو المؤثر لها و فاعلها بتوسط حرارة الشمس؛ كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار، و الهاشم لما يهشمه الحجر بثقله، و حرارة الشمس مسوّدة للأجسام من جهة معقولة مفهومة؛ كما أن النار تحرق الأجسام على وجه معقول، فأىّ تأثير للكواكب فينا يجرى هذا المجرى فى
[١] فى حاشية ف: «أشفّ: أفضل» .