الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨٣ - مسألة
قد تكون بمعنى «ما» فى بعض المواضع؛ إلا أنه لا يليق بهذا الموضع أن تكون إِنْ بمعنى «ما» ؛ لأنه لا يجوز أن يقول تعالى: ما أنت فى شك مما أنزلنا إليك؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب؛ لأن العالم لا حاجة به إلى المسألة؛ و إنما يحتاج أن يسأل الشاكّ.
غير أنه يمكن نصرة هذا الجواب بأنه تعالى لو أمره بسؤال أهل الكتاب من غير أن ينفى شكّه لأوهم أمره بالسؤال أنه شاكّ فى صدقه، و صحة ما أنزل عليه، فقدّم كلاما يقتضي نفى الشك عنه فيما أنزل عليه، ليعلم أنّ أمره بالسؤال ليزول الشكّ عن غيره، لا عنه.
فأما الذين أمر بمسألتهم فقد قيل إنهم المؤمنون من أهل الكتاب، الراجعون إلى الحق؛ ككعب الأحبار، و من جرى مجراه ممن أسلم بعد اليهودية، لأن هؤلاء لا يصدقون عمّا شاهدوه فى كتبهم من صفات النبي عليه السلام و البشارة به؛ و إن كان غيرهم ممن أقام على الكفر و الباطل لا يصدق عن ذلك.
و قال قوم آخرون: إنّ المراد بالذين يقرءون الكتاب جماعة اليهود، ممن آمن و ممن لم يؤمن؛ فإنهم يصدقون عما وجدوه فى كتبهم من البشارة بنبىّ موصوف، يدّعون أنه غيرك، و أنك إذا قابلت بتلك الصفات صفاتك علمت أنت و كلّ من أنصف أن المبشّر بنبوته هو أنت.
و قال آخرون: ما أمره أن يسألهم عن البشارة به؛ لأنهم لا يصدقون عن ذلك؛ بل أمره عليه السلام أن يسألهم عما تقدم ذكره على هذه الآية بغير فصل من قوله تعالى: وَ لَقَدْ بَوَّأْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتََّى جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ؛ [يونس: ٩٣]ثم قال تعالى:
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ ؛ [يونس: ٩٤]، أى فى شك مما تضمنته هذه الآية من النعمة على بنى إسرائيل؛ فما كانت اليهود تجحد ذلك، بل تقرّ به، و تفخر بمكانه.
و هذا الوجه يروى عن الحسن البصرىّ. و كلّ ذلك واضح لمن تأمله.