الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٣٧ - تأويل آية
الحقيقة لا يجرى إلا على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه؛ و إن استعير فى بعض المواضع.
قلنا: ليس نسلّم لكم أنّ الاستعمال الّذي ذكرناه على سبيل المجاز؛ بل يقول: هو المفهوم الّذي لا يستفاد سواه، لأن القائل إذا قال: هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنّه عمل فيه، و ما رأينا أحدا قط يقول فى الثوب بدلا من قوله: هذا من عمل فلان: هذا مما حلّه عمل فلان؛ فالأول أولى بأن يكون حقيقة.
و ليس ينكر أن يكون الأصل فى الحقيقة ما ذكروه، ثم انتقل بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه؛ و صار أخصّ به، و مما لا يستفاد من الكلام سواه؛ كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحدّ و الاعتبار فى المفهوم من الألفاظ إلا ما يستقرّ عليه استعمالها دون ما كانت عليه فى الأصل؛ فوجب أن يكون المفهوم و الظاهر من الآية ما ذكرناه.
على أنا لو سلّمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه:
منها ما يشهد به ظاهر الآية و يقتضيه، و لا يسوغ سواه.
و منها ما تقتضيه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآية؛ فمن ذلك أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم، و التوبيخ لأفعالهم و الإزراء على مذاهبهم، فقال: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ. `وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ /و متى لم يكن قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ المراد تَعْمَلُونَ فيه؛ ليصير تقدير الكلام: أ تعبدون الأصنام التى تنحتونها، و اللّه خلقكم و خلق هذه الأصنام التى تفعلون فيها التخطيط و التصوير؛ لم يكن للكلام معنى، و لا مدخل فى باب التوبيخ. و يصير على ما يذكره المخالف كأنه قال: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و اللّه خلقكم و خلق عبادتكم؛ فأىّ وجه للتقريع!و هذا إلى أن يكون عذرا أقرب من أن يكون لوما و توبيخا؛ إذا خلق عبادتهم للأصنام؛ فأىّ وجه للومهم عليها و تقريعهم بها!على أن قوله عز و جلّ: خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ بعد قوله: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى؛ فلا بدّ أن يكون متعلقا بما تقدم من قوله: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و مؤثرا فى المنع من عبادة غير اللّه. فلو أفاد قوله: مََا تَعْمَلُونَ نفس العمل