الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٤ - تأويل آية
بغداد، و جعلتنى كافرا، و جعلت حسنى قبيحا؛ و ما أشبه ذلك؛ فهى هاهنا تتعدى إلى مفعولين.
و لـ «جعل» مواضع أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها؛ فكأنه تعالى قال: و نسب عبد الطاغوت إليهم، و شهد أنهم من جملتهم.
فإن قيل: لو كانت جَعَلَ هاهنا على ما ذكرتم لوجب أن تكون متعدية إلى مفعولين؛ لأنها إذا لم تتعد إلاّ إلى مفعول واحد فلا معنى لها إلا الخلق.
قلنا: هذا غلط من متوهّمه؛ لأن جَعَلَ هاهنا متعدية إلى مفعولين، و قوله تعالى:
مِنْهُمْ يقوم مقام المفعول الثانى عند جميع أهل العربية، لأن كلّ جملة تقع فى موضع خبر المبتدأ فهى تحسن أن تقع فى موضع المفعول الثانى؛ كجعلت و ظننت و ما أشبههما.
و قال الشاعر:
أبا لأراجيز يا ابن اللّؤم توعدنى # و فى الأراجيز خلت اللؤم و الخور [١]
و قد فسر هذا على وجهين: أحدهما على الغاء «خلت» من حيث توسطت الكلام؛ فيكون «فى الأراجيز» على هذا فى موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، و الوجه الثانى على إعمال «خلت» فيكون «فى الأراجيز» فى موضع نصب من حيث وقع موقع المفعول الثانى. و هذا بيّن لمن تدبره.
قال سيدنا أدام اللّه علوّه: أنشد ثعلب عن ابن الأعرابىّ:
أما و أبى للصّبر فى كلّ خلّة # أقرّ لعينى من غنى رهن ذلّة
و إنى لأختار الظّما فى مواطن # على بارد عذب و أغنى بغلّة
و أستر ذنب الدّهر حتى كأنّه # صديق، و لا اغتابه عند زلّة
و لست كمن كان ابن أمّى مقترا # فلمّا أفاد المال عاد ابن علّة
فدابرته حتى انقضى الودّ بيننا # و لم أتمطّق من نداه ببلّة
/و كنت له عند الملمّات عدّة # أسدّ بمالى دونه كلّ خلّة
[١] البيت للعين المنقرى يهجو العجاج؛ و هو من شواهد الكتاب (١: ٦٠) .