الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٣ - تأويل آية
جمع؛ أ لا ترى أنه ليس فى أبنية الجموع شيء على هذا البناء!و لكنه واحد يراد به الكثرة؛ أ لا ترى أن فى الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد و معناه الجمع، كقوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا ؛ [إبراهيم: ٣٤]و كذلك قوله: وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ جاء على «فعل» لأنّ هذا البناء يراد به الكثرة و المبالغة؛ و ذلك نحو «يقظ و ندس» ؛ فهذا كأنّ تقديره أنّه قد ذهب فى عبادة الشيطان و التذلّل له كلّ مذهب".
قال: "و جاء على هذا لأن «عبد» فى الأصل صفة، و إن كان قد استعمل استعمال الأسماء، و استعمالهم إياه استعمالها لا يزيل عنه كونه صفة؛ أ لا ترى أنّ «الأبرق و الأبطح» [١] و إن كانا قد استعملا استعمال الأسماء حتى كسّرا هذا النحو عندهم من التكسير فى قولهم: «أبارق و أباطح» ؛ فلم يزل عنه حكم الصفة، يدلّك على ذلك تركهم صرفه، كتركهم صرف «أحمر» ، و لم يجعلوا ذلك كأفكل و أ يدع [٢] ؛ و كذلك عَبَدَ و إن كان قد استعمل استعمال الأسماء لم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة، و إذا لم يخرج عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على «فعل» "
و هذا كلام مفيد فى الاحتجاج لحمزة؛ فإذا صحت قراءة حمزة و عادلت قراءة الباقين المختارة، و صح أيضا سائر ما روى من القراءات التى حكاها السائل كان الوجه الأول الّذي ذكرناه فى الآية يزيل الشبهة فيها.
و يمكن فى الآية وجه آخر على جميع القراءات المختلفة فى عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ ؛ و هو أن يكون المراد بجعل منهم عبد الطاغوت؛ أى نسبه إليهم، و شهد عليه بكونه من جملتهم.
و لـ «جعل» مواضع قد تكون بمعنى الخلق و الفعل؛ كقوله: وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ ، [الأنعام: ١]؛ /و كقوله: وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْجِبََالِ أَكْنََاناً ؛ [النحل: ٨١]؛ و هى هاهنا تتعدى إلى مفعول واحد؛ و قد تكون أيضا بمعنى التسمية و الشهادة؛ كقوله تعالى: وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً ؛ [الزخرف: ١٩]؛ و كقول القائل: جعلت البصرة
[١] الأبرق: أرض فيها حجارة سود و بيض، و الأبطح: الأرض المنبطحة.
[٢] الأفكل: الرعدة، و الأيدع: صبغ أحمر؛ و هو المسمى دم الأخوين.