الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨١ - تأويل آية
فإن قيل: أ ليس قد ذمّهم فى الكلام بأن جعل منهم القردة و الخنازير؛ و لا صنع لهم فى ذلك!و كذلك يجوز أن يذمّهم و يجعلهم عابدين للطاغوت؛ و إن كان من فعله!
قيل [١] : إنما جعلهم قردة و خنازير عقوبة لهم على أفعالهم و باستحقاقهم، فجرى ذلك مجرى أفعالهم، كما ذمّهم بأن لعنهم و غضب عليهم؛ من حيث استحقّوا ذلك منه بأفعالهم و عبادتهم للطاغوت؛ فإن كان هو خلقها فلا وجه لذمهم بها؛ لأن ذلك مما لا يستحقونه بفعل متقدّم كاللّعن و المسخ.
ثم نعود إلى تأويل الآية فنقول: لا ظاهر للآية يقتضي ما ظنّوه، و أكثر ما تضمنته الإخبار بأنه خلق و جعل من يعبد الطاغوت كما جعل منهم القردة و الخنازير؛ و لا شبهة فى أنه تعالى هو خلق الكافر، و أنه لا خالق له سواه؛ غير أن ذلك لا يوجب أنه خلق كفره و جعله كافرا.
و ليس لهم أن يقولوا: كما نستفيد من قوله: جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ أنه جعل ما به كانوا كذلك؛ هكذا نستفيد من قوله: جعل منهم من عبد الطاغوت أنه خلق ما به كان عابدا للطاغوت؛ و ذلك إنما استفدنا ما ذكروه من الأول؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ ما به يكون القرد قردا و الخنزير خنزيرا؛ لا يكون إلاّ من فعله.
و ليس ما به يكون الكافر كافرا مقصورا على فعله تعالى؛ بل قد دلّ/الدليل على أنه يتعالى عن فعل ذلك و خلقه، فافترق الأمران.
و فى الآية وجه آخر؛ و هو ألاّ يكون قوله تعالى: وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ معطوفا على القردة و الخنازير؛ بل معطوفا على مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ ؛ و تقدير الكلام: من لعنه اللّه، و من غضب عليه، و من عبد الطاغوت، و من جعل اللّه منهم القردة و الخنازير؛ و هذا هو الواجب؛ لأن عَبَدَ فعل، و الفعل لا يعطف على الاسم، فلو عطفناه على القردة و الخنازير لكنا قد عطفنا فعلا على اسم، فالأولى عطفه على ما تقدم من الأفعال.
[١] د، و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «قلنا» .