الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥٦ - تأويل آية
النزول من السماء إلى الأرض/، و ليس فى ظاهر القرآن ما يوجب ذلك؛ لأن الهبوط كما يكون النزول من علو إلى سفل فقد يراد به الحلول فى المكان و النزول به؛ قال اللّه تعالى: اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مََا سَأَلْتُمْ ؛ [البقرة: ٦١]، و يقول القائل من العرب: هبطنا بلد كذا و كذا، يريد حللنا، قال زهير:
ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت # أيدى المطىّ بهم من راكس فلقا [١]
فقد يجوز على هذا أن يريد تعالى بالهبوط [٢] الخروج من المكان و حلول غيره؛ و يحتمل أيضا أن يريد بالهبوط [٢] معنى غير المسافة، بل الانحطاط من منزلة إلى دونها، كما يقولون: قد هبط فلان عن منزلته، و نزل عن مكانه؛ إذا كان على رتبة فانحطّ إلى دونها.
فإن قيل: فما معنى قوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ؟قلنا: أما عداوة إبليس لآدم و ذريته فمعروفة مشهورة، و أما عداوة آدم عليه السلام و المؤمنين من ذريته لإبليس فهى واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفار؛ المارقين عن طاعة اللّه تعالى، المستحقين لمقته و عداوته، و عداوة الحية على الوجه الّذي تضمّن إدخالها فى الخطاب لبنى آدم معروفة؛ و لذلك يحذّرهم منها، و يجنبهم؛ فأما على الوجه الّذي يتضمّن أن الخطاب اختص آدم و حواء دون غيرهما؛ فيجب أن يحمل قوله تعالى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ على أن المراد به الذرية؛ كأنه قال تعالى: اِهْبِطُوا و قد علمت من حال ذريتكم أن بعضكم يعادى بعضا؛ و علّق الخطاب بهما للاختصاص بين الذرية و بين أصلها.
فإن قيل: أ ليس ظاهر قوله تعالى: اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يقتضي الأمر بالمعاداة، كما أنه أمر بالهبوط، و هذا يوجب أن يكون تعالى آمرا بالقبيح على وجه؛ لأن معاداة إبليس لآدم عليه السلام قبيحة، و معاداة الكفار من ذريته للمؤمنين منهم كذلك؟
قلنا: ليس يقتضي الظاهر ما ظننتموه؛ و إنما يقتضي أنه أمرهما بالهبوط فى حال عداوة
[١] ديوانه ٣٧. راكس: موضع، و الفلق: المكان المطمئن بين ربوتين؛ و هو منصوب على أنه مفعول به؛ قيل: الفلق: الصبح» .
(٢-٢) ساقط من الأصل، و ما أثبته عن ف.