الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥٨ - تأويل آية
و إنما يكتنى يرتجز على الدّلو السقاة و الرعاة؛ و فيه وجه آخر؛ قيل: إنهم يسامحون شريبهم و يؤثرونه بالسّقى قبل أموالهم؛ و لا يصولون عليه و لا يكتنون؛ و هذا من الكرم و التفضّل لا من الضعف.
و قيل أيضا: بل عنى أنهم أعزاء ذوو منعة، إذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه؛ لأنها قد عرفت فليس يحتاج أربابها إلى الاكتناء و التعرف.
و قد قال قوم فى قوله: «يكتنون» : إنه من قوله كتنت يده تكتن إذا خشنت من العمل؛ فيقول: ليسوا أهل مهنة، فتكتن أيديهم و تخشن من العمل؛ بل لهم عبيد يكفونهم ذلك.
و قوله: «صدء السرابيل» فإنما أراد به طول حملهم للسلاح و لبسهم له. و المقانب:
هى الأوعية التى يكون فيها الزاد؛ فكأنه يقول: إذا سافروا لم يشدّوا الأوعية على ما فيها و أطعموا أهل الرفقة؛ و هذه كناية عن الإطعام و بذل/الزاد مليحة. و عجر البطون: من صفات المقانب؛ أراد أنها لا توكأ، و لا تطوى على فضل الزاد.
و لبعض شعراء بنى أسد، و أحسن غاية الإحسان:
رأت صرمة [١] لابنى عبيد تمنّعت # من الحقّ لم تؤزل بحقّ إفالها
فقالت: أ لا تغذو فصالك هكذا # فقلت: أبت ضيفانها و عيالها
فما حلبت إلاّ الثلاثة و الثّنى # و لا قيّلت إلاّ قريبا مقالها
حدابير من كلّ العيال كأنّها # أناضىّ شقر حلّ عنها جلالها
شكا هذا الشاعر امرأته، و حكى عنها أنها رأت إبلا لجيرانها لم تعط فى حمالة [٢] ، و لم تعقر فى حق، و لم تحلب لضيف و لا جار؛ فهى سمان. و قوله: «لم تؤزل إفالها» و الإفال:
[١] الصرمة: القطعة من الإبل؛ ما بين العشرين إلى الثلاثين، أو إلى الخمسين.
[٢] الحمالة: الإبل.