الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥٥ - تأويل آية
و إنما كنّى تعالى عن إهباطه لهم بالقول؛ كما يقول أحدنا: قلت: فلقيت الأمير، و قلت: فضربت زيدا، و إنما يخبر عن الفعل دون القول؛ و هذا خلاف الظاهر و إن كان مستعملا.
و فى هذا الوجه بعد من وجه آخر؛ و هو أنه لم يتقدم للحية ذكر فى نصّ القرآن، و الكناية عن غير مذكور لا تحسن إلا بحيث لا يقع لبس، و لا يسبق وهم إلى تعلق الكناية بغير مكنّى عنه؛ حتى يكون ذكره كترك ذكره فى البيان عن المعنى المقصود، مثل قوله تعالى: حَتََّى تَوََارَتْ بِالْحِجََابِ ؛ [ص: ٣٢]؛ و كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ ؛ [الرحمن: ٢٧]و قول الشاعر:
أ ماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما؛ و ضاق بها الصّدر [١]
فأما بحيث لا يكون الحال على هذا فالكناية عن غير مذكور قبيحة.
و رابعها أن يكون الخطاب يختصّ آدم و حواء عليهما السلام، و خاطب الاثنين بالجمع على عادة العرب فى ذلك؛ لأن التثنية أول الجمع؛ قال اللّه تعالى: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اَلْقَوْمِ وَ كُنََّا لِحُكْمِهِمْ شََاهِدِينَ ؛ [الأنبياء: ٧٨]، أراد لحكم داود و سليمان عليهما السلام؛ و كان بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يتأول قوله تعالى: فَإِنْ كََانَ لَهُ إِخْوَةٌ ؛ [النساء: ١١]على معنى فإن كان له أخوان؛ قال الراعى:
أخليد إنّ أباك ضاف وساده # همّان باتا جنبة و دخيلا [٢]
طرقا فتلك هماهمى أقريهما # قلصا لواقح كالقسىّ و حولا
فعبّر بالهماهم و هى جمع عن الهمين؛ و هما اثنان.
فإن قيل: فما معنى الهبوط الّذي أمروا به؟قلنا: أكثر المفسرين على أن الهبوط هو
[١] البيت لحاتم.
[٢] جمهرة الأشعار: ٣٥٣. و فى حاشيتى الأصل، ف: «خليدة ابنته فرخم، و ضافه: نزل به.
جنبه أى ناحية. و دخيلا: داخلا فى الفؤاد. قال ابن الأعرابى: أراد: هما داخل القلب، و آخر قريبا من ذلك؛ كالضيف إذا حل بالقوم فأدخلوه فهو دخيل؛ و إن كان بفنائهم فهو جنبة» .