الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٤ - تأويل خبر
و قال عنترة:
شربت بماء الدّحرضين فأصبحت # زوراء تنفر عن حياض الدّيلم [١]
معناه: شربت الناقة من ماء الدّحرضين؛ و هما ماءان؛ يقال لأحدهما: وسيع و الآخر دحرض، فغلب الأشهر؛ و هو الدّحرض. و إنما ساغ أن يريد بالفطرة-التى هى الخلقة فى اللغة-الدّين من حيث كان هو المقصود بها، و قد يجرى على الشيء اسم ماله به هذا الضرب من التعلّق و الاختصاص؛ و على هذا يتأول قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا ؛ [الروم: ٣٠]أراد دين اللّه الّذي خلق الخلق له.
و قوله تعالى: لاََ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللََّهِ ؛ [الروم: ٣٠]المراد به أن ما خلق العباد له من العبادة و الطاعة ليس مما يتغير و يختلف، حتى يخلق قوما للطاعة، و آخرين للمعصية.
و يجوز أن يريد بذلك الأمر، و إن كان ظاهره الخبر، فكأنه تعالى قال: و لا تبدّلوا ما خلقكم اللّه له من الدّين و الطاعة بأن تعصوا و تخالفوا.
و الوجه الآخر فى تأويل الفطرة أن يكون المراد بها الخلقة، و تكون لفظة «على» على ظاهرها/لم يرد [٢] به غيرها، و يكون المعنى: كل مولود يولد على الخلقة الدالة على وحدانية اللّه تعالى و عبادته و الإيمان به، لأنه عز و جل قد صوّر الخلق و خلقهم على وجه يقتضي النظر فيه معرفته و الإيمان به؛ و إن لم ينظروا و لم يعرفوا، فكأنه عليه السلام قال: كل مخلوق و مولود فهو يدلّ بخلقه و صورته على عبادة اللّه تعالى؛ و إن عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصاريا.
و هذا الوجه يحتم له أيضا قوله تعالى: فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا .
و إذا ثبت ما ذكرناه فى معنى الفطرة فقوله: «حتى يكون أبواه يهوّدانه و ينصرانه» يحتمل وجهين:
[١] من المعلقة ص ١٨٦-بشرح التبريزى. الزوراء: المائلة، و الديلم: الأعداء، عن الأصمعى.
[٢] حاشية الأصل (من نسخة) : «بها» .