الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٣ - تأويل خبر
و تفسير محمد بن الحسن يدلّ على أن الحديث عنده منسوخ، و النسخ لا يكون فى الأخبار، و إنما يكون فى الأمر و النهى؛ قال: و لا يجوز أن يراد به-على تأويل ابن المبارك-بعض المولودين دون بعض؛ لأن مخرجه مخرج العموم. قال: و لا أرى معنى الحديث إلاّ ما ذهب إليه حماد بن سلمة؛ فإنه قال فيه: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم فى أصلاب آبائهم؛ يريد حين مسح اللّه تعالى ظهر آدم؛ فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذرّ، و أشهدهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلىََ ؛ [الأعراف: ١٧٢]، فأراد عليه السلام أنّ كلّ مولود يولد فى العالم على ذلك العهد و على ذلك الإقرار الأول و هو الفطرة.
/قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و هذا كله تخليط و بعد عن الجواب الصحيح. و الصحيح فى تأويله أن قوله عليه السلام: «يولد على الفطرة» يحتمل أمرين:
أحدهما أن تكون الفطرة هاهنا الدين، و تكون «على» بمعنى اللام؛ فكأنه قال: كل مولود يولد للدّين و من أجل الدين؛ لأن اللّه تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلّفين إلاّ ليعبده فينتفع بعبادته، يشهد بذلك قوله تعالى: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ ؛ [الذريات: ٥٦]؛ و الدليل على أن «على» تقوم مقام اللام ما حكاه يعقوب بن السّكّيت عن أبى زيد عن العرب أنهم يقولون: صف عليّ كذا و كذا حتى أعرفه؛ بمعنى صف لى؛ و يقولون ما أغيظك عليّ!يريدون ما أغيظك لى!و العرب تقيم بعض حروف الصفات مقام بعض فيقولون: سقط الرجل لوجهه؛ يريدون على وجهه، و قال الطّرماح:
كأنّ مخوّاها على ثفناتها # معرّس خمس وقّعت للجناجن [١]
أراد: على الجناجن [٢] -
[١] ديوانه: ١٦٦ و فى حاشية الأصل: «خوّى البعير إذا تجافى فى بروكه، و منه خوّى الرجل فى سجوده، و خوت المرأة عند جلوسها على المجمر» ، و فيها أيضا: «يعنى أن فجوات هذه الناقة عند البروك تسع خمس أينق بوارك» .
[٢] الجناجن: عظام الصدر.