الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٥ - تأويل آية
و يجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَ قََالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصََارىََ تَهْتَدُوا ؛ [البقرة: ١٣٥]معناه: و قال بعضهم: كونوا هودا-و هم اليهود-و قال بعضهم: كونوا نصارى و هم النصارى-فدخلت أَوْ للتفصيل.
و كذلك قوله تعالى: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فَجََاءَهََا بَأْسُنََا بَيََاتاً أَوْ هُمْ قََائِلُونَ [الأعراف: ٤]معناه فجاء بعض أهلها بأسنا بياتا، و جاء بعض أهلها بأسنا فى وقت القيلولة.
و قد يحتمل قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ هذا الوجه أيضا، و يكون المعنى أن بعضهم يشبه الّذي استوقد نارا، و بعضهم يشبه أصحاب الصيب.
و ثالثها أن يكون أَوْ دخلت على سبيل الإبهام فيما يرجع إلى المخاطب، و إن كان اللّه تعالى عالما بذلك غير شاك فيه، لأنه تعالى لم يقصد فى إخبارهم عن ذلك إلا التفصيل؛ بل علم عز و جلّ أن خطابهم بالإجمال أبلغ فى مصلحتهم، فأخبر تعالى أنّ قسوة قلوب هؤلاء الذين ذمّهم كالحجارة أو أشد قسوة، و المعنى أنها كانت كأحد هذين لا يخرج عنهما.
و يجرى ذلك مجرى قولهم: ما أطعمتك إلا حلوا أو حامضا، فيبهمون على المخاطب ما يعلمون أنه لا فائدة فى تفصيله؛ و المعنى: ما أطعمتك إلا أحد هذين الضّربين.
و كذلك يقول أحدهم: أكلت بسرة أو ثمرة؛ و هو قد علم ما أكل على التفصيل إلا أنه أبهمه على المخاطب، قال لبيد:
تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهما # و هل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر [١]
أراد: هل أنا إلاّ من أحد هذين الجنسين [٢] ، فسبيلى أن أفنى كما فنيا؛ و إنما حسن ذلك لأن قصده الّذي أجرى إليه، و غرضه الّذي نحاه و هو أن يخبر بكونه ممن يموت و يفنى، و لا يخلّ به إجمال ما أجمل من كلامه، فأضرب عن التفصيل؛ لأنه لا فائدة فيه، و لأنه سواء
[١] ديوانه: ٢: ١.
[٢] ش «الحيين» .