الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩٩ - مسألة
مسألة
ما ورد فى القرآن من معاتبات الرسول عليه السلام مع عصمته و طهارته، و كونه الحجة على الخلق أجمعين.
الجواب، أنه إذا ثبت بالدليل عصمة الأنبياء عليهم السلام فكلّ ما ورد فى القرآن مما له ظاهر ينافى العصمة، و يقتضي وقوع الخطأ منهم؛ فلا بدّ من صرف الكلام عن ظاهره، و حمله على ما يليق بأدلة العقول؛ لأن الكلام يدخله الحقيقة و المجاز، و يعدل المتكلم به عن ظاهره.
و أدلة العقول لا يصح فيها ذلك، أ لا ترى أن القرآن قد ورد بما لا يجوز على اللّه تعالى من الحركة و الانتقال، كقوله تعالى: وَ جََاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، و قوله تعالى:
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ ؛ [البقرة: ٢١٠]، و لا بدّ مع وضوح الأدلة على أن اللّه تعالى ليس بجسم، و استحالة الانتقال عليه، الّذي لا يجوز إلا على الأجسام من تأوّل هذه الظواهر و العدول عما يقتضيه صريح ألفاظها؛ قرب التأويل أو بعد.
و لو جهلنا العلم بالتأويل جملة لم يضرّ ذلك مع التمسك بالأدلة؛ و كان غاية ما فيه ألاّ نعلم قصد المتكلم بما أطلقه من كلامه؛ و نعلم إذا كان حكيما أنّ له غرضا صحيحا.
على أن ظواهر الآيات التى خوطب بها النبىّ عليه السلام مما ظاهره كالعتاب؛ منها المقصود به أمته، و الخطاب متوجّه إليه؛ و لهذا روى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن بإياك أعنى و اسمعى يا جارة. و يشهد بذلك قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ [الطلاق: ١]؛ فخاطب النبىّ عليه السلام، و المراد بذلك جميع الأمة.
و منها ما يظن أنه عتاب و ليس كذلك؛ بل هو تعليم و تأديب؛ و لا محالة أن تأديب النبىّ عليه السلام كان صادرا عن اللّه تعالى.
و المواعظ له ترادفت فى كل وقت؛ و الشروع فى ذكر الآيات و التنبيه على المراد بها يطول؛