الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٧ - تأويل آية
كانوا يصدقونه فى نفسه بقوله تعالى: وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ ؛ و بقوله تعالى: وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ ؛ [الأنعام: ٦٦]؛ و لم يقل: و كذّبك قومك. و كان الكسائىّ يقرأ: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف و نافع من بين سائر السبعة، و الباقون على التشديد؛ و يزعم أنّ بين أكذبه و كذّبه فرقا، و أن معنى أكذب الرجل، أنه جاء بكذب، و معنى كذّبته أنه كذاب فى كل حديثه. و هذا غلط و ليس بين «فعّلت» و «أفعلت» فى هذه الكلمة فرق من طريق المعنى أكثر مما ذكرناه من أنّ التشديد يقتضي التكرار و التأكيد، و مع هذا لا يجوز أن يصدّقوه فى نفسه، و يكذّبوا بما أتى به؛ لأن من المعلوم أنه عليه السلام كان يشهد بصحة ما أتى به و صدقه، و أنه الدين القيم، و الحق الّذي لا يجوز العدول عنه؛ فكيف يجوز أن يكون صادقا فى خبره و كان الّذي أتى به فاسدا!بل إن كان صادقا فالذى أتى به حقّ صحيح، و إن كان الّذي أتى به فاسدا؛ فلا بد من أن يكون فى شيء من ذلك كاذبا؛ و هو تأويل من لا يتحقق المعانى.
و الوجه الخامس أن يكون المعنى فى قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ أن تكذيبك راجع إلى، و عائد عليّ؛ و لست المختص به؛ لأنه رسول فمن كذبه فهو فى الحقيقة مكذّب للّه تعالى و رادّ عليه. و هذا كما يقول أحدنا لرسوله: امض فى كذا فمن كذّبك فقد كذبنى، و من دفعك فقد دفعنى؛ و ذلك من اللّه على سبيل التسلية لنبيه عليه السلام؛ و التعظيم و التغليظ لتكذيبه.
و الوجه السادس أن يريد: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ فى الأمر الّذي يوافق فيه تكذيبهم، و إن كذبوك فى غيره.
و يمكن فى الآية وجه سابع، و هو أن يريد تعالى أن جميعهم لا يكذبونك و إن كذّبك بعضهم؛ فهم الظالمون الذين ذكروا فى آخر الآية بأنهم يجحدون بآيات اللّه؛ و إنما سلّى نبيه عليه السلام بهذا القول و عزّاه؛ فلا ينكر أن يكون موسى عليه السلام لما استوحش من تكذيبهم له و تلقيهم إياه بالرد؛ و ظن أنه لا متّبع له منهم، و لا ناصر لدينه فيهم أخبره