الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٦ - تأويل آية
بالعنم، و العنم نبت أغصانه غضة دقاق شبه الأصابع، و قيل: إن العنم واحدته عنمة؛ و هى العظاية الصغيرة البيضاء؛ و هى أشبه شيء بالأصابع البيضاء الغضة؛ و هذا حكاه صاحب/ كتاب العين.
و قيل: إن العنم نبت له نور أحمر تشبّه به الأصابع المخضوبة، فوجه حسن قوله: «التوديع و العنم» أنّ التوديع كان بالإصبع التى تشبه العنم، فجمع بينهما بذلك؛ و لا حاجة به إلى ذكر الأنامل المخضّبة على ما ظنّ أبو العباس؛ بل ذكر المشبّه به أحسن و أفصح من أن يقول التوديع و الأنامل التى تشبه العنم.
فأما قوله: إن التوديع لا يستقبح؛ و إنما يستقبح عاقبته فخطأ؛ و مطالبة الشاعر بما لا يطالب بمثله الشعراء؛ لأن التوديع إذا كان منذرا بالفراق و بعد الدار و غيبة المحبوب لا محالة إنه مكروه مستقبح.
و قوله: مستقبح عاقبته صحيح، إلا أن ما يعقبه و يثمره لما كان عند حضوره متيقنا مذكورا عاد الإكراه و الاستقباح إليه. و نحن نعلم أن الناس يتكرهون و يستقبحون تناول الأشياء الملذة من الأغذية و غيرها إذا علموا ما فى عواقبها من المكروه؛ فإن من تقدّم إليه طعام مسموم و أعلم بذلك يتكرّهه و يستقبح تناوله لما يتوقعه من سوء عاقبته؛ و إن كان ملذا فى الحال؛ و لم نزل الشعراء تذكر كراهتها للوداع و هربها منه. لما يتصور فيه من [١] ألم الفرقة، و غصص الوحشة [١] . و هذا معروف مشهور، و قد قال فيه أبو تمام:
أ آلفة النحيب كم افتراق # أظلّ فكان داعية اجتماع [٢]
و ليست فرحة الأوبات إلاّ # لموقوف على ترح الوداع
فجعل للوداع ترحا يقابل فرح الإياب، و هذا صحيح.
فأما قول جرير:
أ تنسى إذ تودّعنا سليمى # بفرع بشامة سقى البشام [٣]
(١-١) حاشية الأصل (من نسخة) : «ألم الفرقة و غصص الاستيحاش» .
[٢] ديوانه: ١٩٣.
[٣] ديوانه: ٥١٢.