الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٧ - تأويل آية
فإنه دعا للبشام-و هو شجر-بالسّقى؛ لأنها ودعته عنده، فسر بتوديعها، و قول الشاعر:
من يكن يكره الفراق فإنى # أشتهيه لموضع التّسليم
إنّ فيه اعتناقة لوداع # و انتظار اعتناقة لقدوم
فمن شأن الشعراء أن يتصرّفوا فى المعانى بحسب أغراضهم و قصودهم، فإذا رأى أحدهم مدح/شيء قصد إلى أحسن أوصافه فذكرها، و أشار بها؛ حتى كأنه لا وصف له غير ذلك الوصف الحسن؛ و إذا أراد ذمّه قصد إلى أقبح أحواله فذكرها؛ حتى كأنه لا شيء فيه غير ذلك؛ و كلّ مصيب بحسب قصده.
و لهذا ترى أحدهم يقصد إلى مدح الشيب فيذكر ما فيه من وقار و خشوع، و أن العمر معه أطول، و ما أشبه ذلك، و يقصد إلى ذمه فيصف ما فيه من الإدناء إلى الأجل، و أنه آخر الألوان و أبغضها إلى النساء؛ و ما أشبه ذلك؛ و هذه سبيلهم فى كل شيء وصفوه؛ و لمدحهم موضعه، و لذمهم موضعه؛ فمن ذمّ الوداع لما فيه من الإنذار بالفراق و بعد الدار قد ذهب مذهبا صحيحا؛ كما أنّ من مدحه لما فيه من القرب من المحبوب و السرور بالنظر إليه-و إن كان يسيرا-قد ذهب أيضا مذهبا صحيحا.
و من غلط ابن عمار القبيح قوله بعد أن أنشد شعر المجنون، قال: و هذا هو الأصل، ثم استعاره الناس من بعد؛ فقال الشاعر:
النّشر مسك، و الوجوه دنا # نير، و أطراف الأكفّ عنم
و هذا الشعر للمرقّش الأكبر؛ و هو و المرقّش الأصغر جميعا كانا على عهد مهلهل بن ربيعة، و شهدا حرب بكر بن وائل، فكيف يكون قول المرقّش الأكبر بعد قول المجنون لو لا الغفلة!ـ