الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٢٠ - تأويل آية
تلك الحال، أو تقدم النبوة فلا ترجع إلى المسألة. و قد يجوز أن يكون ما أظهره من التوبة على سبيل الرجوع إلى اللّه تعالى؛ و إظهار الانقطاع إليه، و التقرب منه، و إن لم يكن هناك ذنب معروف.
و قد يجوز أن يكون الغرض فى ذلك مضافا إلى ما قلناه تعليما و توفيقا على ما نستعمله و ندعو به عند الشدائد و نزول الأهوال، و تنبيه القوم المخطئين خاصة على التوبة مما التمسوه من الرؤية/المستحيلة عليه تعالى؛ فإن الأنبياء، و إن لم يقع منهم القبيح عندنا فقد يقع من غيرهم؛ و يحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة و الاستقالة.
فأما قوله تعالى: فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فإن التجلّى هاهنا التعريف و الإعلام و الإظهار لما تقتضى المعرفة، كقولهم: هذا كلام جلىّ أى واضح، و كقول الشاعر:
تجلّى لنا بالمشرفيّة و القنا # و قد كان عن وقع الأسنّة نائيا
أراد أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبّر له و إن كان نائيا عن وقع الأسنة، فأقام ما ظهر من دلالة فعله مقام مشاهدته، و عبر عنه بأنه تجلّى منه.
و فى قوله: لِلْجَبَلِ وجهان:
أحدهما أن يكون لأهل الجبل، و من كان عند الجبل، فحذف؛ كما قال تعالى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]؛ فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ ؛ [الدخان: ٢٩]؛
و قد علمنا أنه بما أظهره من الآيات إنما دلّ من كان عند الجبل على أن رؤيته تعالى غير جائزة.
و الوجه الآخر أن يكون معنى لِلْجَبَلِ أى بالجبل، فأقام اللام مقام الباء؛ كما قال تعالى:
آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ؛ [الأعراف: ١٢٣]؛ أى به؛ و كما يقولون: أخذتك لجرمك و بجرمك.