الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٢١ - تأويل آية
و لما كانت الآية الدالة على منع ما سئل فيه إنما حلّت الجبل و ظهرت فيه جاز أن يضاف التجلى إليه.
و قد استدل بهذه الآية كثير من العلماء الموحّدين على أنه تعالى لا يرى بالأبصار من حيث نفى الرؤية نفيا عاما بقوله تعالى: لَنْ تَرََانِي ؛ ثم أكّد ذلك بأن علّق الرؤية باستقرار الجبل الّذي علمنا أنه لم يستقرّ. و هذه طريقة للعرب فى تبعيد الشيء؛ لأنهم يعلّقونه بما يعلم أنه لا يكون؛ كقولهم: لا كلمتك ما أضاء الفجر، و طلعت الشمس؛ و كقول الشاعر:
إذا شاب الغراب رجوت أهلى # و صار القار كاللبن الحليب
و مما يجرى هذا المجرى قوله تعالى: وَ لاََ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ ؛ [الاعراف: ٤٠].
و ليس لأحد أن يقول: إذا علّق الرؤية باستقرار الجبل؛ و كان ذلك فى مقدوره، فيجب أن تكون الرؤية معلقة به أيضا فى مقدوره؛ بأنه لو كان الغرض بذلك التبعيد لعلّقه بأمر يستحيل، كما علّق/دخولهم الجنة بأمر مستحيل؛ من ولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ و ذلك أن تشبيه الشيء بغيره لا يجب أن يكون من جميع الوجوه؛ و لمّا علّق وقوع الرؤية باستقرار الجبل-و قد علم أنه لا يستقرّ-علم نفى الرؤية. و ما عدا ذلك من كون الرؤية مستحيلة و غير مقدورة، و استقرار الجبل بخلافها يخرج عن ما هو الغرض فى التشبيه على أنه إنما علّق تعالى جواز الرؤية باستقرار الجبل فى تلك الحال التى جعله فيها دكّا، و ذلك محال لما فيه من اجتماع الضّدين، فجرى مجرى جواز الرؤية فى الاستحالة. و ليس يجب فى كل ما علّق بغيره أن يجرى مجراه فى سائر وجوهه؛ حتى إذا كان أحدهما مع انتفائه مستحيلا كان الآخر بمثابته؛ لأن تعلّق دخول الكفار الجنة إنما علّق بولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ و ولوج الجمل فى سمّ الخياط مستحيل، بل معلوم أن الأول فى المقدور و إن كان لا يحسن و الثانى ليس فى المقدور. و هذه الجملة كافية فى تأويل هذه الآية، و بيان ما فيها، و الحمد للّه.
***