الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٨ - تأويل آية
مواضع التصرّف منها بهذه الصفة، و المنجّمون لا يدفعون أن يكون فى الأرض بسائط و سطوح يتصرّف عليها، و يستقرّ فيها؛ و إنما يذهبون إلى أن بجملتها شكل الكرة.
و ليس له أن يقول: قوله: و جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً يقتضي الإشارة إلى جميع الأرض و جملتها؛ لا إلى مواضع منها، لأن ذلك تدفعه الضرورة من حيث أنا نعلم بالمشاهدة أنّ فيها ما ليس ببساط و لا فراش؛ و لا شبهة فى أن جعله السماء على ما هى عليه من الصّفة ممّا له تعلّق بمنافعنا و مصالحنا. و كذلك إنزاله تعالى منها الماء الّذي هو المطر الّذي تظهر به الثمرات فننتفع بنيلها و الاغتذاء بها.
فأما قوله تعالى: فَلاََ تَجْعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً فإن الندّ هو المثل و العدل؛ قال حسان ابن ثابت:
أ تهجوه و لست له بندّ # فشرّ كما لخيركما الفداء [١]
فأما قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيحتمل وجوها:
أولها أن يريد أنكم تعلمون أنّ الأنداد التى هى الأصنام و ما جرى مجراها التى تعبدونها من دون اللّه تعالى لم ينعم عليكم بهذه النعم التى عدّدها و لا بأمثالها، و أنها لا تضرّ و لا تنفع، و لا تسمع و لا تبصر؛ و معلوم أن المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام ما كانوا يدّعون و لا تعتقدون أنّ الأصنام خلقت السماء و الأرض من دون اللّه و لا معه تعالى؛ فالوصف لهم هاهنا بالعلم إنما هو لتأكيد الحجة عليهم. و يصح لزومها لهم؛ لأنهم مع العلم بما ذكرناه يكونون أضيق عذرا.
و الوجه الثانى أن يكون المراد بقوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى تعقلون و تميزون، و تعلمون ما تقولون و تفعلون، و تأتون و تذرون، لأنّ من كان بهذه الصفة فقد استوفى شروط التكليف، و لزمته الحجة، و ضاق عذره فى التخلّف عن النظر و إصابة الحق.
و نظير ذلك/قوله تعالى: إِنَّمََا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ ؛ [الزمر: ٩]و إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ ؛ [فاطر: ٢٨].
[١] ديوانه: ٩.