من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٨ - الحق مقياس الصواب وأساس الوحدة
وحتى داخل المجتمعات الصغيرة بل داخل تجمع صغير لو سادت هذه المبادئ لكانت وسيلة للتلاحم الأكثر، والإنتاج الأفضل، لو سادت قيمة المساواة أمام القانون، وقيمة التوحيد وعدم الاعتقاد بأية قيمة أرضية باطلة، وقيمة الحرية وعدم الاستعباد.
إن هذه الآية تجسد جوهر سورة آل عمران .. فهي دعوة إلى الوحدة وعلى أساس الحق وبناء التجمع التوحيدي الذي يتمحور حول الحق وينبذ القيم الباطلة.
[٦٥] حين رفعت الآية السابقة لواء المساواة وعدم استعباد فريق لفريق، فإنها تضمنت دعوة صريحة لنبذ صنمية وعبادة الأشخاص، والتمحور حولهم ومحاولة الانتساب إليهم.
تلك الحالة التي تقف أمام وحدة المجتمع البشري، كما أنها تعترض طريقه نحو التقدم والصعود، حيث يفقد البشر قدرته على الإبداع. وثقته بذاته من أجل التقدم.
وضربت هذه الآية مثلا على ذلك من واقع إبراهيم عليه السلام، حيث حاول اليهود والنصارى الارتباط به، والاختلاف عليه، ومحاولة كل فريق دعم فريقه باسمه، متناسين أن عظمة إبراهيم لم تكن بسبب عنصره المتفوق، أو بسبب والده أو قومه أو إقليمه، بل لأنه سلَّم نفسه لله وأخلص في التوحيد.
ولو أنهم اتبعوا ملة إبراهيم في التوحيد، لوحدتهم تلك الملة، بدل أن تفرقهم، ولما فكروا تفكيرا حزبيًّا ضيّقاً، ولم يحاول كل فريق أن يكون لجماعته أشد من انتمائه للحق، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ إن عليكم أن تجعلوا إبراهيم رمزا للوحدة، لا سببا للتفرقة والجدل الطائفي بينكم؛ ذلك لأن الاختلاف جاء بعد إبراهيم لا قبله.
[٦٦] ثم يتابع القرآن حديثه ويقول: إن التعصب يدعو صاحبه إلى العمى، حيث انه لا يفكر تفكيرا علميًّا، بل يحاول إثبات جانبه بأي ثمن، فإبراهيم كيف يمكن أن يكون يهوديًّا واليهودية متأخرة عنه؟ أم كيف يكون مسيحيًّا؟.
هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ والأفضل أن نوحد الله ونسلم له حتى نبتعد عن العصبية الطائفية، ونستفيد من العلم والعقل.
[٦٧] من كان- إذن- إبراهيم؟ إنه كان عبدا لله ولم يكن منتميا لطائفة أو عنصر. وبذلك أصبح عظيما مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ