من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٦ - الحق مقياس الصواب وأساس الوحدة
دون أخرى. ولأن الحق لله فهو لا ريب فيه، لأن مصدر الشك هو الهوى والمصلحة والجهل، وتعالى الله عنها.
دلائل صدق الرسالة
إننا قد نشك في دعوة مصدرها رجل، وعنصر، أو قوم أو أهل إقليم، لأننا نعرف أن الرجل قد يكون جاهلا أو ساذجا أو خبيثا، وأنه قد يتأثر بضغوط مصالحه أو مصالح عنصره أو إقليمه أو قومه. بيد أن الله لا يرقى إليه شك من هذا النوع أو من غير هذا النوع سبحانه، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ.
[٦١] يقين الرسول برسالته شاهد حق على صدقها، ذلك أن هذا الإيمان لا يجتمع أبدا مع كذب الرسول أو خداعه للناس، ولكن كيف يمكن للناس أن يكتشفوا صدق الرسول في إيمانه برسالته ويقينه التام بمضمونها؟ هل من خلال أقواله فحسب؟ كلا .. بل من خلال ممارساته العملية، ومن خلال جهاده وتضحياته وعطائه، وأيضا من خلال عملية الابتهال حيث تقف طائفتان متعارضتان أمام الله وتدعوان على الكاذب منهما، وبالطبع سيسقط آنئذ القناع عن تلك الوجوه الكاذبة، وتشرق الحقيقة من أفق الصادقين.
المباهلة وسيلة لكشف الحق
والابتهال- بالتالي- هو نوع من التحاكم أمام الغيب حيث يراجع كل طرف ضميره ويحتكم إلى تقواه فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ في الحق فلا تجادله معه جدالا كلاميًّا قد يطول، بل دعه يحتكم إلى الواقع، لأن العلم ليس لفظا ولا كلمات تحريرية، إنما هو كشف عن واقع ملموس في الخارج إذن فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ، إلى الله ونتضرع في أن يكشف الحقيقة فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ وهنا لا يستطيع الكاذب أن يستدرج اللعنة على نفسه فيُفتضح، وقد فعل الرسول مرة واحدة هذه العملية، حيث جمع أهل بيته وذهب إلى مواجهة نصارى (نجران) للابتهال ولكنهم انسحبوا وافتُضحت دعواهم.
[٦٢] ثم إن الحق من الله، والاحتجاج فيه يتم عبر الابتهال إلى الله، ولكن أين يوجد كلام الله؟ في (القرآن) .. حيث يحدثنا من خلال قصصه الواقعية عن الحق، فالحق في منهج القرآن ليس ألفاظا ولا قواعد مجردة، إنما هو بصائر تُعطى من خلال قصص واقعية.