من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٤ - لنعد إلى سنن التاريخ
[١٣٩] من سنن الله في المجتمع أن المؤمنين ينتصرون. فعليهم ألَّا يهنوا وألَّا يتسرب إلى نفوسهم الانهزام، أو اليأس والضجر. كما أن عليهم ألَّا يتألموا لبعض الخسارات، إذ إن ربح الانتصار سوف يغطي على الخسارات البسيطة وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
[١٤٠] ومن تلك السنن أن العلو والنصر لا يأتي بالصدفة، أو بلا شيءٍ من التضحية، بل لابد من الاستعداد للقرح، ومعرفة أن الأعداء هم بدورهم يستعدون له، فلماذا التهرب منه إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ إن من المهم أن تعرف أن عدوك يصاب بمثل ما تصاب به، وأنه يتمايل إلى الضعف والهزيمة كما أنت، وأن النصر لمن يستمر أكثر، ويصبر على الألم، حتى يفقد عدوه صبره، وقدرته على الصمود.
ثم إن الحياة وأزمتها ليست ملكا لأحد ولا تدوم لأحد، بلى؛ قد يكون ثمة ملك لبلد ما أو نظام متطاول يمسك بأزمه الأمور، أو طائفة ما تستأثر بحكم بلدٍ ما، لكن ذلك كله لا يعني استمراره إلى الأبد، هذا أولًا. وثايناً إن هؤلاء إنما حكموا لتوافر الأسباب لديهم. إذن سيأتي من بعدهم من يُمسك بأسباب ذلك. فلا يعني ذلك أنهم سوف يستمرون، بل إن هؤلاء إنما جاؤوا لتوافر العوامل القيادية فيهم، وقد تتوافر فيك أيضاً- كما هو- فتأتي مكانهم.
ومن المهم جداً أن نتخلص من الاعتقاد بأن الواقع يبقى كما هو، وإنما نؤمن جازمين بأن الحقيقة وحدها تبقى وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ.
منافع الناس في التضحية
ثم إن للتضحية منافع أخرى للامة، يذكرنا القرآن بها فيما يلي
ألف: التضحية تفرز المؤمنين عن المنافقين، ففي بداية انطلاقة الرسالة قد يؤمن بها جماعة طمعا في أنها سوف تنتصر سريعا، فيحصلون على مغانم مجانية، أو أنهم كانوا مستائين من الوضع فاندفعوا نحو الرسالة مدفوعين بتيار الإحساس الساذج، أو كانوا يحبون قائد الرسالة فانتموا إليها لذلك، أو عشرات من الأسباب الأخرى غير الإيمان الصادق.
فوجود هذه الطائفة في الأمة يسبب لها الضعف والانهيار، حيث تنتشر فيها المصلحية، والأنانية، والفوضوية، وتنتهي الأمة سريعا، ولا يمكن الفوز إلا بتعرض الأمة للتضحيات، فيعرف المؤمنون عن غيرهم وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا.