من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٣ - الموقف المبدئي من الكفار
[١١٩] الأمة الإسلامية تعمل من أجل الناس جميعا، وضمنهم بالطبع الكفار وبصفة خاصة المحرومين منهم والمضطهدين. ولهذا فإن المسلمين يكنون الحب للناس جميعا، بيد أن الكفار الذين اتخذوا موقفا سلبيًّا من المؤمنين، واعتبروهم خارجين عن الشرعية، يختلف الوضع عندهم. إنهم ينافقون ظاهرا، ويكنون أشد البغض للمؤمنين، ويعتبرون أي تقدم يصيب المسلمين ضررا عليهم، فيشتد غيظهم، وضيقهم، وتصرفاتهم الانفعالية، وغير الحكيمة نابعة كلها من هذه النفسية المعقدة، والمتميزة غيظا.
هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ في حين أنهم لا يؤمنون بكتابكم، وهذا هو الفرق، أنتم لا تحملون حقدا على رسولهم أو كتابهم، وهم يحملون هذا الحقد وينعكس عليهم.
وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ إذ أن صاحب الغيظ الشديد يعض أنامله، لتخفيف غيظه الذي يثقل صدره.
قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ولذلك لا ينطلي عليه النفاق، ثم إنه لا ينصركم أيها المنافقون على المسلمين، لأنكم أنتم الحاقدون بالباطل عليهم، ونصر الله يصيب أصحاب القلوب الطيبة والنيات الصافية.
[١٢٠] ومن طبيعة هذه الفئة، الحسد الشديد، إلى درجة أنهم ينتظرون أي نوع من الأذى بكم، ويستاؤون إذا أنعم الله عليكم بأي خير إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، الصبر هو التفكير في المستقبل، وبُعْد النظر، وعدم حساب بعض الخسارات البسيطة إلا بالقياس إلى الأرباح الكبيرة، التي تأتي في المستقبل. أما التقوى فهي الالتزام بخط الإسلام، وعدم الانحراف تحت ضغط المشاكل، أو بعض الخسارات أو حتى النكسات. والتقوى تعني هنا أيضا العمل. حتى لا يكون الصبر انتظارا سلبيًّا محضا، إنما انتظارا إيجابيًّا، يرافقه العمل، الجاد من أجل تعويض الخسارة، والضرر وتحويل النكسة إلى انتصار.
والكيد يعني: الخطط التي يتبعها العدو، وهي لا تضر الأمة التي تصبر وتتقي. الأمة المستعدة للتضحيات، والواعية الملتزمة بالواجبات.
ثم إن قدرة الله الهائلة، تقف وراء المؤمنين، فهو محيط بما يعمل الكافرون، وعلينا ألَّا نستسلم نفسيًّا لهم، بمجرد أنهم أصابونا بنكسة أو هزيمة، أو حتى عدة هزائم.