من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠١ - الجماهير بين تقديس الذوات وبصائر القرآن
العمل لا يمكن أن يكون لله، إلا عن طريق الرسول. إذ لا يوحي الله إلى كل إنسان وفرد. فإذا حاول كل منا أن يستكشف الدين من خلال عقله، فإن انحرافات كثيرة سوف يقع فيها، بسبب امتزاج عقله بهواه، وعلمه بشهواته من هنا جاءت الآية قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ اتباع الرسول يستدرج غفران الله، ولأن مجرد الاتِّباع تنازل عن ذاتية الإنسان، وارتفاع إلى مستوى التسليم لله، فهذا العمل العظيم يشفع لصاحبه في بعض الذنوب الصغيرة.
[٣٢] اتباع الرسول يتم بتطبيق رسالة الله التي نزلت عليه، واتخاذه أسوة حسنة فيما قام به من عمل، أو تمييز به من سلوك. ولكن الاتباع وحده لا يكفي، بل يجب طاعة الرسول أيضا. وذلك فيما يرتبط بالقضايا التي تحدث يوميًّا، وتتجدد، من حرب وسلم، واقتصاد وسياسة، واجتماع وعمران، وبالتالي في كل الحقول الحياتية المتجددة وطاعة الرسول في هذه القضايا جزء من طاعة الله قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فكما أن طاعة الله واسعة وشاملة، كذلك طاعة الرسول فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ.
وهؤلاء الذين يرفضون طاعة الرسول هم بمثابة الكافرين إذ إن أهم فوائد الإيمان التسليم لله، ليس في القضايا الثابتة من حياة الإنسان فقط، بل وفي الأحداث المتطورة، التي تتركز فيها ضغوط الحياة بشكل حاد، ولا تدع صاحبها يطيع القيادة الرسالية، إلا بصعوبة بالغة.
[٣٣] ولكن لماذا نتبع الرسول ونطيعه؟ أفليس من الأفضل أن يتَّبع كل منا عقله، ويطيعه في قضاياه، مسترشدا بالتعاليم الدينية؟ لماذا يضع بينه وبين الله واسطة بشر آخر هو الرسول، أو القيادة التي تجسد رسالة الدين؟
الجواب: إن البشر الذين يأمر الله عباده باتبِّاعهم، ليسوا كسائر البشر إنما هم صفوة الله في الأرض. اختارهم الله بعد أن ابتلاهم، ووجدهم أهلا لرسالته. واتباعهم، وطاعتهم، ضمان للبشرية من الانحراف عن خط الرسالة، والاختلاف فيما بينها من زحمة الحياة، وتحت ضغوط الأهواء الشديدة.* إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ.
[٣٤] ولم يكن هذا الاصطفاء بسبب عنصري، والدليل على ذلك أن الله اختار آدم، وآدم أب الناس جميعا. ثم اختار من آل إبراهيم ومن آل عمران، أنبياء دون أن يميز واحدا على آخر على أساس عنصري. فلم يكن عنصر آل عمران أفضل من سائر فصائل آل إبراهيم المنحدرين من غير عمران .. بل هؤلاء بعضهم من بعض دون تمييز، فهم قمة السمو ولا يجوز