من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٠ - حقائق القرآن بين حق التأويل وفتنة الباطل
وكلمة أخيرة: إن هذه الآية لتدل على أن أهم مسؤوليات رجل العلم تطبيق القيم على الواقع تطبيقا نزيها.
الإيمان قبل المعرفة
ثم تتحدث الآية عن علاقة الإيمان بالمعرفة، وتؤكد أن المعرفة هي وليدة الإيمان، وليس العكس، والسبب أن الشرط المسبق للمعرفة هو الاستعداد النفسي لتقبلها والتسليم لها متى ما ظهرت له.
إن الفرد الذي يتكبر- سلفا- على الحق، ويستبطن في نفسه رفض الحق إن جاءه فسوف لن يصل إلى المعرفة، وإنما يعرف الراسخون في العلم التأويل الصحيح للقرآن لأنهم يؤمنون به سلفا ولا يريدون تكييف القرآن حسب أهوائهم، إنما يبتغون الاتباع والتسليم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ هناك قضايا واضحة كالقضايا التي تحدثت الآيات الماضية عنها، ولكنها تحتاج إلى التنبه إليها، فمن يتنبه؟ إنما الذي يمتلك اللب يتذكر ومن لا يمتلك كيف يتذكر؟ وبماذا يتذكر؟ إنما باللب، فما هو اللب؟
هل هو العقل باعتباره جوهر الإنسان ولبه، أم أن أولي الألباب هم الذين لا يهتمون بالقشور والظواهر، وإنما بالحقائق التي تكشف الظواهر عنها.
[٨] من الذي يكشف انحراف النفس (زيغ القلب) غير الإنسان ذاته. وبالرغم من أن الآخرين قد يساعدونه في التنبيه إلى زيغه وانحرافه، إلا أنهم لا يقدرون على إصلاحه إلا إذا أراد هو.
والوعي الذاتي لا يصلح القلب بعد الزيغ فحسب، إنما يمنع عنه الزيغ في المستقبل أيضا. لذلك تجد الراسخين في العلم يتوسلون إلى الله من أجل ألَّا تزيغ قلوبهم. وبهذا الدعاء يخلق الله في أنفسهم مناعة عن الزيغ ووعيا ذاتيا لاكتشافه متى تسرب إلى قلوبهم، فهم يكررون أبدا رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ إن الرحمة الهابطة من الله أقسام. ولكن أهمها هي المعرفة التي يمن بها الله على البشر سواء وحيا بالقرآن، أم إلهاما.
وينمي الدعاء تطلع المؤمنين الراسخين في العلم إلى المعرفة ولذلك فهم يرددون هذا الدعاء ويطلبون الرحمة (المعرفة) من الله.
وأساسا الروح العلمية بحاجة إلى تربية وتنمية، وبهذا الدعاء ينمِّي المؤمنون هذه الروح.