من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨١ - حقائق القرآن بين حق التأويل وفتنة الباطل
الإيمان باليوم الآخر .. حجر الزاوية في المعرفة
[٩] كما الجبال الراسيات تحفظ الأرض من أن تميد، وكما القواعد تحفظ البناء من الزلزلة والانهيار، كذلك الإيمان باليوم الآخر حجر الزاوية في البناء الذهني للمؤمنين، فمن دونه يتوتر القلب ولا يستقر على اتجاه، كيف ذلك ..؟.
إن القلب البشري كسفينة تتقاذفه الأهواء، فمن ضرورات الحياة، إلى مطامع الشهوات إلى ضغوط المجتمع، إلى حتميات الطبيعة. تعصف جميعها بالنفس وتحدث فيها طوفانا عاتيا. والعقل كسكّان متين، يحاول توجيه السفينة في خط مستقيم، ولكنه يعجز عن التحكم بالسفينة من دون الاستعانة بالثقل الذي يرسيها به. وثقل النفس هو الإيمان بالحياة الآخرة، إذ عن طريق هذا الإيمان تطمئن النفس، ويحدث فيها نوع من التوازن.
فإذا عصفت شهوة الجنس بالنفس وأرادت أن تستبد بتوجيهها، جاء الإيمان بالحياة الآخرة ليخفف من ضغط هذه الشهوة، ويقول لصاحبها: كلا .. ليست هذه الشهوة هي كل شيء في الحياة إذ هذه الحياة بالذات ليست كل الحياة، إنما الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية، وبهذا تطمئن النفس ويستطيع العقل أن يُحكم توجيهها.
وقبل أن يذكِّرنا القرآن فيما يلي من الآيات بالعوامل النفسية التي تسبب زيغ القلب، وبالتالي انحراف البشر، انطلاقًا من مبدأ القرآن الآنف الذكر (أن مشكلة الإنسان في العلم نفسية) يذكرنا قبلئذ القرآن باليوم الآخر باعتباره حجر الزاوية في توجيه النفس البشرية.
وقال على لسان الراسخين في العلم رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ومادام الإنسان يتمثل غدا أمام الله فعليه أن يفكر ويتذكر ولا يسترسل مع رياح الهوى. عليه أن يذكِّر ذاته بأن الحكمة المستنبطة من القرآن تقرر
[حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ]
[١] وبالتالي التجرد عن حب الدنيا رأس كل فضيلة ومن هنا كلما تذكَّر الإنسان (المعاد) اطمأنت نفسه وكان أقدر على توجيه شهواته.
الاعتماد على الله فقط
[١٠] اعتمادا على المال أو الولد يتكبر المرء على الله وعلى رسالاته، ويحسب أن ماله يخلده وأن أبناءه سينصرونه من دون الله. ولكن متى ما عرف الإنسان نهايته الحتمية وأنه حين يقف
[١] الكافي: ج ٢، ص ١٣٠.