من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٩ - حقائق القرآن بين حق التأويل وفتنة الباطل
ابتلي بانحراف في نفسه: إنه ليس من العدالة إن أكون فقيرا والناس أغنياء، فعلّي أن أسرق من الناس لجبر فقري. أو يقول الحاكم المستبد أن ضرورة النظام تفرض علينا كبت حريات الناس، وهكذا يتم تحريف القيم باتجاه الهوى. أو بتعبير القرآن تأويلها بما يتناسب والأهواء الذاتية.
الفتنة
والتأويل يأتي بعد الفتن في المستوى الفردي الذي هو الزيغ، والفتنة الاجتماعية هي هدف التأويل وهي ظلم الناس، إذ لا ينحرف البشر إلا استجابة لضغوط شهوات الذات، التي تدعو بالطبع إلى اغتصاب حقوق الآخرين، مما يسمى بالفتنة في منطق القرآن.
إن علامة الانحراف هي التأويل غير العلمي، وعلامة التأويل غير العلمي هي استهداف الفتنة. وباستطاعتنا أن نكشف الانحراف العقلي من المظاهر الاجتماعية (الظلم الاجتماعي). فالنتائج السلبية للفكرة تكون أبسط دليل على خطأ الفكرة ذاتها. من هنا نَبَّه القرآن إلى أن الفكرة الخاطئة هي التي تستهدف نتائج ظالمة. وقال فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ يعني أن المنحرفين نفسيًّا هم الذين يتركون الآيات الواضحة إلى الآيات الغامضة لتأويلها حسب أهوائهم وبهدف ظلم الناس وغصبهم حقوقهم.
من يعلم التأويل؟
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ولا يوجد التأويل الصحيح أي: التطبيق الصحيح لقيم الوحي، أو العقل على الموضوعات الخارجية، إلا عند الله وعند الراسخين في العلم. فمن هم هؤلاء الراسخون في العلم؟
إنهم أولئك الذين لم يكتفوا بالعلم بالأشياء فقط، إنما يركِّزون أيضا في العلم، ويكثرون النظر فيه حتى تترسخ أقدامهم في أرض العلم، وهناك يعرفون كيف يطبقون العلم على الواقع.
إن تطبيق القيم الرسالية على الواقع الموضوعي، لا يتم سليما إلا إذا توافرت شروط ثلاثة تشير إليها الآية الكريمة وهي
١- سلامة النية.
٢- العلم بالقيم علما راسخا.
٣- العلم بالواقع علما راسخا.