من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٧ - الحاكمية الإلهية
وهنا يعالج القرآن: موضوع الإيمان بأن الله هو الذي يقضي في الحياة بحكمه، فبيده الأمور مباشرة، وأنه ليس بعيدا، كما تتصور اليهود، عن مباشرة سلطاته الإلهية سبحانه ..
إن لهذه الحقيقة تجسدات واقعية في الموت والحياة، وفي الغنى والفقر، وفي الملك يؤتيه من يشاء، وفي الانتصار يهبه لمن يشاء، وفي الرسالة ينزلها على من يشاء ..
وإن لهذه الحقيقة توجيهات تربوية تتجسد في: القتال في سبيل الله من دون خشية الموت (لان الحياة بيد الله)، والإنفاق دون خشية من الفقر، والطاعة للحاكم بإذن الله والالتزام بتوجيهاته، والإيمان بكل رسل الله، والإنفاق في سبيل الله ..
وقد ذكرنا القرآن بتلك التجسدات الواقعية، وهذه التوجيهات، من خلال قصص تاريخية ذات عبرة وآثار. وضمنها التوجيهات التربوية ..
ولكن يبقى سؤال: ألم يكن من الأفضل: أن يتحدث القرآن بشكل تجريدي محض، عن الحقائق الواقعية، كما يفعلها مثلا الفلاسفة، وكتّاب علم الكلام الإسلامي؟
الجواب: كلا .. لأن القرآن كتاب حياة وكتاب تزكية، ولأنه كتاب حياة فهو لا ينقلنا من الحياة إلى غياهب التجريدات الذهنية التي لا تمثل إلا نفسها، ولا تعكس إلا خيالات أشبه ما تكون إلى الأشكال الهندسية والحسابات الرياضية لا تعني شيئا حقيقيًّا، بل يتحدث إلينا عن ظواهر الحياة ظاهرة ظاهرة. منها ما انتهت وتتكرر، كالظاهرة التاريخية، ومنها ما هي متلاحقة كالظاهرة الطبيعية، ومنها ما نصنعها كالحرب والسلام .. كل ذلك لتلتصق أفكارنا بالواقع الخارجي أكثر فأكثر، ثم يعطينا: رؤية نابعة من حقيقة عامة، تجاه هذه الظاهرة، رؤية تاريخية، رؤية طبيعية، رؤية في أفعال الإنسان. فالقرآن بذلك لا يفصلنا عن الواقع، بل يعطينا منظارا نافذ البصيرة ننظر من خلاله إلى الحياة، ذلك المنظار هي الرؤية وهي الحقيقة العامة (مثلا حقيقة هيمنة الله على الحياة)، وهي السنن الإلهية.
ومن جهة أخرى: لا يريد القرآن أن يشبع قلوبنا بحب الله، أو أفكارنا بالاعتقاد بالله من دون أن يكون لذلك الحب، وهذا الإيمان: انعكاس عملي في حياتنا، لذلك فكلما تحدث عن ظاهرة تاريخية، وأعطانا فيها رؤية حقيقية، أضاف إليهما عبرة تربوية وأمر بعمل نقوم به ..
وهذه المزاوجة بين الحقائق العلمية والتوجيهات التربوية من أسرار التأثير النافذ للخطاب القرآني على النفس الإنسانية.
وسوف تجدون هذا المنهج في الآيات التالية.