من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٧ - التقوى رضا الله، السلم، العدالة
مسؤولية الحفاظ على الوحدة
[٢١٠] وهذا يعني أننا نحن المسؤولون عن المحافظة على وحدتنا بالاعتماد على هدى الله وبيناته، وليس من الصحيح أن ننتظر الله أن يأتي ويفضّ خلافاتنا إذ الحياة امتحان التقوى، والإنسان حر عاقل، ولله الحجة البالغة، حيث أن هداية الله للعباد متواترة، أو ننتظر مثلا الإمام الحجة (عج) حتى يصلح ما بيننا بطريقة غيبية. إنها آنئذ حين يأتي أمر الله (لا كما ادعت اليهود) ويتغير الكون ويُقضى الأمر بقيام الساعة. وهنالك لا مسؤولية على أحد، حيث ينتهي التكليف، ولا تؤخر العقوبة عن أحد. فالآية تتساءل استنكارا وتتهكم بأهل الكتاب، وتذكرنا بالمسؤولية.
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ كناية عن مجيء أمر الله (سبحانه) مع كل ملكوته. وَقُضِيَ الأَمْرُ أي آنئذ انتهت حياة المسؤولية، وآنئذ تتبدل الحياة، فلو أراد الله بالجبر أن يصلح بين العباد بالخير، فالحياة تكون غير هذه الحياة. أما هنا الدنيا فنحن بأنفسنا مسئولون عن تصفية خلافاتنا وإصلاح أمورنا، ثم بعدئذ نَمْثُل أمام الله للمحاكمة في الآخرة. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ.
[٢١١] والأمم السابقة لم تنزل عليهم ملائكة الله، بل نزلت عليهم البينات، وكان عليهم أن يستفيدوا منها في تحقيق مسؤولياتهم، ومع ذلك فإن بعضهم لم يستفد منها. بل بدل فيها وحرّف، وما ظلموا إلا أنفسهم.
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ لكن بعضهم بدل هذه الآيات. وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وقد يكون العقاب في صورة شياع الفوضى بينهم، وضرب بعضهم ببعض نتيجة إهمالهم لرسالة الله، وتورطهم في الخلافات الداخلية.
لماذا الاختلاف؟!
[٢١٢] ولكن يبقى السؤال الهام: لماذا أساسا يختلف الناس؟ وما هو جذر المشكلة؟
الجواب: أنهم يختلفون لأن الدنيا زُيِّنت لقلوبهم، فمقاييسهم دنيوية ويقوِّمون الأشياء والآخرين وفقها. ولكن المؤمن لا يتمحور حول الدنيا بل الآخرة، ولذلك فهو يتقي الدنيا وشهواتها وفواحشها، وهنا يظهر جليًّا مدى أهمية التقوى في إنشاء حياة كريمة، لأنها تسحب