من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٦ - نحن والثقافات الدخيلة
بهذا المعنى تشمل الإنسان القائد الذي يجسد آيات الله عمليًّا.
إذن كلام الله يدل على أن لكل عصر قادته الذين يستمدون من الدين الأحكام المتصلة بظروفهم، والله قادر على إبداع آيات جديدة، وبعث قادة جدد. وقد جاء في النصوص تفسير هذه الآية بوفاة إمام عادل وقيام إمام آخر مقامه [١].
[١٠٧] ويجب ألَّا يخشى الإنسان من سلطة من يمثلون الأفكار السابقة المنسوخة بفعل تطور الحياة، بل يخشى الله سبحانه لأنه هو المالك للسماوات والأرض، وهو الولي النصير، وولي العالمين وحده أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وهذه الآيات والتي سبقت، تأمر الأمة بالتفكير جديًّا في التقدم المستمر، وعدم الخوف من الجديد لمجرد أن الفكر الجديد قد لا يكون أفضل من السابق، وعدم الخشية من الناس المرتبطين بالأشياء القديمة، بل الخشية من الله وحده.
ولقد وقعت هاتان الآيتان في محيط الجزيرة العربية المحافظة والراكدة وقع الصواعق. حيث استطاع الرسول أن يزلزل الأوضاع القديمة من الأساس، ويبني مكانها كيانا جديدا بل صنع مجتمعا تقدميًّا يبحث عن الإبداع والتطوير، حتى احتاج هذا المجتمع إلى ضوابط كابحة كالتي قالها الرسول
[كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ]. [٢]
[١٠٨] ويأتي القرآن بمثل على طبيعة الثقافة القديمة، كيف كانت ثقافة مشوبة بالشرك، ويقول: إن اتباعكم أو حتى استماعكم إلى هذه الثقافات سوف يبعدكم عن الحق أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ إذ قالوا له أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣]، هل تريدون أن تصبحوا كفارا بعد الإيمان، ومشركين بعد أن أصبحتم حنفاء وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
[١٠٩] واهتمام الكفار بكم ليس بهدف توجيهكم إلى ما هو أفضل لكم، بل لاستلاب ما تملكون من هدى وخير، وبالتالي من أجل تضعيفكم، وخلخلة كيانكم ذلك لأنهم أعداء لكم يحسدونكم على إيمانكم، ويعرفون أن قوتكم كامنة في دينكم الجديد، فيريدون القضاء على هذا الدين بكل وسيلة وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ تلك الأنفس التي لا تحب الخير للآخرين أبدا مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُ وعرفوا أنه بجانبكم، وهنا أمامكم موقف واحد هو تجاوز
[١] راجع بحار الانوار: ج ٧٨، ص ٢٥٥، وتفسير العياشي: ج ١، ص ٥٦.
[٢] الكافي: ج ١، ص ٥٦.