من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٠ - كيف يقسم القرآن البشر؟
في العبادات (ككثرة الصلاة رياء) هم يريدون خداع الله والمؤمنين بينما الحقيقة أنهم يخادعون أنفسهم؛ لأنهم يبدؤون بتصور أنهم استطاعوا أن يضمنوا الدين الحقيقي مع عدم خسرانهم للدنيا ولشهواتها؛ وذلك لأنهم يبدأون بزعم أن أعمالهم (القشرية) هي الدين، فيفرغون الدين من معانيه ويكوِّنون له معنى جديدا فيمنعون عن أنفسهم الفوائد الكبيرة التي يعطيها الدين الحقيقي لو أنهم التزموا به. لهذا يقول الله يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، ثم يفصل الله القول في الخداع الذاتي الذي يمارسه المنافقون بلاوعي منهم ويقول
[١٠] أولًا: إنهم يكرسون- بعملية النفاق- مرض الجبن والهزيمة، واللإارادة في أنفسهم. كل ابن آدم مبتلى في قلبه بهذه الأمراض، ولكن المنافق يكرسها حتى يبني حياته كلها على هذه الشاكلة. فهو يعيش شخصيتين داخله وظاهره، وبينهما تضيع إرادته وقدرته على التحقق والمبادرة فكيف إذا صبغت حياته كلها بالكذب فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ من الجبن والاستسلام و .. فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً بتكريس تلك الأمراض، ثم إن هؤلاء لا يمكنهم أن يعيشوا مطمئنين لأنهم يعيشون الخوف والقلق وخشية الافتضاح، وهذا يسبب لهم عذابا أليما، يأتيهم بسبب الكذب الذي صبغت به حياتهم كلها.
إن الواحد قد يكذب كذبة واحدة فيعيش في القلق الدائم خوف اكتشاف كذبته، ويفكر أبدا في طرق إخفاء الكذب وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ.
[١١] ثانياً: تختلط عندهم مقاييسهم العقلية (بسبب مضايقتهم لهدى الله وبسب توتر شخصيتهم) ولذلك يتوغلون في الفساد ويزعمون أنه الصلاح بذاته. ولأنهم يعيشون العزلة نفسيًّا عن المجتمع من حولهم فهم لا يستطيعون أن يستفيدوا من نصائح الآخرين، أو تتكامل أفكارهم عن طريق التفاعل مع أفكار الآخرين. لذلك قال ربنا سبحانه وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ.
[١٢] بينما الحقيقة غير ذلك. إن هؤلاء أصبحوا أعضاء فاسدين في المجتمع، ولكنهم فقدوا المقياس الذي عن طريقه يستطيع المرء اكتشاف الفساد من غيره فهم لا يشعرون أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ. وعبَّر القرآن ب- (الشعور) ولم يعبِّر ب- (العقل) فلم يقل (ولكن لا يعقلون) لكي يكشف لنا بأن القضايا البسيطة التي لا تحتاج إلى التفكير والتعقل (كالتمييز بين الفساد والصلاح) لم يعد يفهمها المنافق، فكيف بالقضايا المعقدة.
إن الشرط الأول للعلم بأية حقيقة هو الثقة بالذات وبالمقاييس العقلية التي يملكها