من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦١ - كيف يقسم القرآن البشر؟
الإنسان. والنفاق يفقد صاحبه هذه الثقة فلا يعرف شيئا.
[١٣] ثالثاً: إنهم يتمحورون حول أعمالهم فيحسبونها هي الحق وغيرها الضلال والباطل. وبذلك يتهمون الناس بالسفه، ويضيعون على أنفسهم فرصة الانتفاع بآراء الناس وتجاربهم وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ولكن من هو السفيه الحقيقي؟ أليس هو ذلك الذي يضيِّع على نفسه فرصة الإيمان وفرصة الانتفاع بتجارب الآخرين؟ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ.
[١٤] وبسبب الانعزال النفسي عن المجتمع وعن خبراته وعقله، يستهزئون بأعمال المجتمع ويتصورونها تصورا معكوسا، وبذلك يعزلون أنفسهم عمليًّا عن المجتمع، إذ لا يساهمون في نشاطاته التي لا تعود بالنفع على المجتمع فقط بل عليهم أيضا لو عملوا بها وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ.
[١٥] وهذه النفسية المعقدة تسبب لهم ضياع فرص الهداية لهم إلى الأبد، إذ كلما سمعوا كلاما فسروه تفسيرا سلبيًّا واستهزؤوا به فبأي شيء يهتدون؟ من هنا قال الله تعالى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي يعمون عن الحقيقة فلا يرونها، حيث يضلون في حالة تردد وحيرة دائمة. ويسمي القرآن النفاق هنا طغيانا لأنه لا ينشأ إلا بسبب فقدان العبودية لله والاستسلام لشهوات الذات، وضغوط المجتمع. إذن هناك أربع أزمات يواجهها المنافق بسبب خداعه الذاتي
أولًا: ازدياد مرضه النفسي والمؤدي به نحو العذاب الأليم.
ثانياً: توغله في الفساد.
ثالثاً: انفصاله عن خبرات المجتمع وانعزاله في قوقعة ذاته.
رابعاً: ضياع فرصة الهداية إلى الأبد، والعمى النفسي.
[١٦] ويضرب الله لنا الأمثال حتى نفهم حقيقة النفاق، ولنحذر منه فيقول: مثل النفاق مثل من يشتري شيئا ويدفع الثمن، فلا يعطيه البائع البضاعة، فيخسر ماله ولا يحصل على بضاعة. هكذا يشتري المنافق الدنيا بالآخرة يعطي الحق والهداية ليأخذ السعادة في الدنيا فلا يحصل على هذه ويخسر تلك أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.
[١٧- ١٨] ومثال آخر يضربه القرآن ليكشف لنا جانباً آخر من النفاق مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ