تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٩ - إشارة نورية
ما هي عليه بحسب القوّة النظريّة. و ليس كذلك؛ و لهذا احتجب أرباب العقول عن الحقّ و صفاته و سرّ المعاد و حشر الأجساد لتقليدهم عقولهم، و غاية عرفانهم العلم الإجمالي بأنّ لهم موجدا ربّا منزّها عن الصفات الكونيّة، و لا يعلمون من الحقائق إلّا لوازمها و خواصّها.
و أرباب التحقيق و أهل الطريق علموا ذلك مجملا، و شاهدوا تجليّاته و ظهوراته مفصّلا فاهتدوا بنوره و سروا في الحقائق سريان تجلّيه فيها: و كشفوا عنها و خواصّها و لوازمها كشفا لا يمازجه شبهة، و علموا الحقائق علما لا يطرأ عليه ريبة، فهم عباد الرحمن الذين يمشون في أرض الحقائق هونا، و أرباب النظر عباد عقولهم لا يقبلون إلّا ما أعطته عقولهم.
و كذا الوهم يدّعي السلطنة و يكذب العقل في كلّ ما هو خارج عن طور إدراكه للمعاني الجزئيّة دون الكلّية، و كذا غيرهما من المدارك الجزئيّة، و كذا القوى التحريكيّة- كالشهوة و الغضب عند هيجانهما و تغاليهما.
و أمّا القلب المنوّر بنور المحبّة و العشق فهو الذي يدرك بحقيقته كلّ شيء بأمر ربّها لا يرى فيها عوجا و لا أمتا، و ذلك لكون حقيقته متّصفة بجميع الكمالات، جامعة لحقائقها الموجودة قبل وجوده، حتّى كان يمرّ عند تنزّلاته عليها فيتّصف بمعانيها طورا بعد طور من أطوار الروحانيّات و السماويّات و العنصريّات. إلى أن يظهر في صورته النوعيّة الحسيّة النازلة عليه من الحضرات الأسمائيّة ما لا بدّ أن يمرّ على هذه الوسائط أيضا، إلى أن يصل إليه و يكمله.
و ذلك المرور لتهيئته استعداده بأطوار الملكات للكمالات اللائقة و لاجتماع ما فصل من المقام الجمعيّ الإلهي من الحقائق و الخصائص التفصيليّة الواقعة في مقام التفرقة الكونيّة، و للاشهاد و الاطّلاع على ما أريد أن يكون خليفة عليه، و لهذا لا يجعل خليفة إلّا عند انتهاء السفر الثالث، و لو لا هذا المرور لما أمكن العروج للكمّل، إذ الخاتمة مضاهية للسابقة و به تتمّ الحركة المعنويّة.