تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٨ - حقيقة مثالية الإنسان الكامل فيه صورة السموات و الأرض
من الأقطار أركانهم، و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه تعالى أبصارهم متلفّعون تحته بأجنحتهم [١]، لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير، و لا يجرون عليه تعالى صفات المصنوعين، و لا يحدّونه بالأماكن، و لا يشيرون إليه بالنظائر»
- انتهى كلامه عليه السّلام.
و هاهنا وجه آخر و هو إنّ قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ إشارة إلى تسويته تعالى باطن الإنسان و سماء عقله سبع درجات باطنيّة معروفة عند أهل الحقيقة، و هي: النفس و القلب، و العقل، و الروح، و السرّ، و الخفي، و الأخفى.
و توجيه ذلك بأنّه تعالى لما ذكر في الآية السابقة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ مشيرا إلى أنه تعالى أخرج خلق الإنسان من أدنى المراتب، و صوّره صورة بعد صورة، و أحياه حيوة [٢] بعد كلّ ممات، و كمالا بعد كل نقص حتى رجع إليه تعالى، و عاد إلى ما بدأ منه- كما قال تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [٢١/ ١٠٤] أراد إلى كيفية هذا الرجوع و بيان هذه الإعادة على ضرب من التفصيل بعد ما أجمل فيه فقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً إشارة إلى طيّه في السلوك إلى اللّه تعالى جميع الدرجات الأرضية- من الجماديّة و النباتيّة و الحيوانيّة- ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي قصد بإرادته إلى سماء عقله فَسَوَّاهُنَ سبعة أطوار وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إذ قد جمع علم الأسماء كلها في هذا النائب الربّاني، و الخليفة السبحاني تأييدا و تنويرا لقوله:
وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ [٤٥/ ١٣] و قوله وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً [٣١/ ٢٠] و قوله وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [١٧/ ٧٠].
[١] أضيف في النهج: مضروبة بينهم و بين من دونهم حجب العزة و استار القدرة.
[٢] أضيف هنا في المطبوعة: «بعد كل قوة و نزعا». و هذه الجملة جاءت بحاشية نسخة المسجد الأعظم غير مشير إلى محله من الكلام.