تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٩ - الإشراق الأول
و ثانيها النبات، و منه الثمرات، و خصّت بالذكر لكونها غاية النبات و ثالثها الحيوان، و أفضله الإنسان المشار إليه بقوله «رزقا لكم» و إنّما خصّ هو بنسبة المرزوقيّة- و إن كان غيره من الحيوان مرزوقا من الثمرات- لكونه علّة غائيّة لوجود الثمرات و نحوها دون سائر الحيوان، بل هي أيضا كالأثمار مخلوقة لانتفاع الإنسان.
ثمّ السبب في ترتيب هذه الثلاثة ظاهر، لأنه بحسب ترتيبها في الحدوث؛ و كذا في تقديم الأولين عليها، و أمّا تقديم ذكر الأرض على ذكر السماء فلأن الأرض أقرب إلينا من السماء، و نحن أعرف بحال الأرض- لكونها محسوسة بأكثر الحواسّ بل بكلّها على وجه- منّا بحال السماء، لكونها غير محسوسة، و المحسوس بحسّ البصر منها ليس إلّا الكواكب، و إنما تحصل المعرفة بوجودها من جهة الحركات المستديرة المتّفقة و المختلفة، الدالّة على وجود جرم عظيم مستدير شامل لها، و من جهة الحركات المستقيمة الدالّة على وجود محدّد للجهات بالصفة المذكورة.
فلننظر في الحكم و المنافع المنبعثة في خلق هذه الأشياء الخمسة و لنذكر لبيانها خمسة إشراقات:
الإشراق الأول:
اعلم إنّ الرحمة الإلهيّة لمّا لم يجز وقوفها عند حدّ يبقى ورائها الإمكان الغير المتناهي لأشياء ممكنة الوجود من غير أن يخرج وجودها من القوّة إلى الفعل أبدا، فيلزم التعطيل في جوده و الإمساك عن الإعطاء و الكرم من فضل وجوده- كما زعمه اليهود كما حكى اللّه عنهم بقوله حيث قالوا: يد اللّه مغلولة وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [٥/ ٦٤] و ليس ذاته أيضا محلّا لارادات متجددة و حوادث متعاقبة- سواء كانت متناهية كما ذهب إليه المعتزلة، أو غير متناهية كما ذهب إليه بعض المتفلسفة كأبي البركات البغدادي و غيره، أثبتوا على واجب الوجود