تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٣ - الاشراق الرابع في تأكيد القول بوجوب المعرفة
و حاصلها يرجع إلى أن حدوث هذه الحركات و الصفات يفتقر إلى سبب محدث، و ذلك السبب إن كان جسما فلكيّا او عنصريّا فلا يجوز كونها و لا شيئا منها مبدأ أولا لغيرها، و ذلك لأنّها مشتركة في أصل الجسميّه، و المشترك فيها إمّا ماهيّة جنسيّة تفتقر في وجودها و قوامها إلى الفصول المنوّعة، أو ماهيّة نوعيّة تفتقر في وجودها و دوامها إلى العوارض المشخّصة و ما يفتقر في وجوده و دوامه إلى مقارنات كيف يكون سببا لغيرها، ثمّ لا يجوز أن يكون تلك المقارنات كالفصول و المشخّصات علّة لوجود تلك الماهيّة الجنسيّة أو النوعيّة، و بتوسّطها لوجود غيرها من اللواحق و الحوادث، و ذلك لافتقارها أيضا في لوازمها و تشخّصاتها إلى ما هي مقوّمة لها.
فثبت أنّ الكلّ مفتقر إلى سبب منفصل الذات عنها، و ذلك السبب إن كان جسما او جسمانيّا عاد الكلام إليه، فهو مجرد عن الجسميّة و عوارضها، ففاعليّته إن كان بالإيجاب بلا علم و إرادة لم يكن اختصاص بعض الأجسام ببعض الصّفات دون بعض أولى في الحكمة من العكس، إذ لا علم و لا حكمة في الفاعل الموجب، فلا بدّ أن يكون عالما فيكون قادرا مختارا فثبت بهذه الدلالة افتقار الأجسام كلّها إلى مؤثّر قادر ليس بجسم و لا جسماني، و عند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الاعراض لا يكفي الا بعد الاستعانة بإمكان الاعراض و الصفات.
و أنما أكثر اللّه تعالى في كتابه الكريم هذا النمط من الاستدلال لكونه أقرب إلى الافهام، و أسهل مأخذا و أقوى في إفحام الجاحدين؛ و إلّا فمسلك الصدّيقين- الذين يستشهدون بوجود الحقّ على وجود الخلق- أسدّ و أوثق و أشرف و أحكم كما أشار إليه بقوله: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٤١/ ٥٣] و قد مرّت الاشارة إليه سابقا، و نحن قد قررنا طريقهم بوجه سديد لا مرية فيه و لا مزيد عليه في كتبنا العقلية.