تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٨ - المقام الثالث إن النظر و إن فرض كونه مفيدا للعلم و مقدورا للعبد لكنه يقبح من الله التكليف به و بيانه من وجوه
و هذه الوجوه ممّا ذكرها الامام الرازي [١] و لم يجب عنها إلّا بمثل ذلك الجواب الجدلي؛ و أما الشبه التي تمسّكوا بها في أنّ التعويل على النظر قبيح فهي متناقضة يلزمهم أن يكون إيرادهم لهذه الشبه التي ذكروها قبيحا، و أنت تعلم إنّ ما ذكره لا يدفع هذه الشبه، إذ مبناها على أن اللّه لا يكلّف العبد بالقبيح لا أنّ العبد لا يفعل القبيح مطلقا.
بل الصواب غير ما ذكره، و هو أن يجاب أمّا عن الاولى فبأنّا لا نسلّم ما ذكره.
بل صاحب النظر إذا تحرّى طريق الصواب و تحرّز عن الخطأ بصدق النيّة و صفاء الطويّة مع فطرة صافية يصير في أكثر الأمور فائزا بمقام الفضيلة و العلم، متخلّصا عن رذيلة الحمق و الجهالة.
و أمّا عن الثاني فبأنّ أرباب المذاهب المتعارضة إن كان المراد منهم رؤسائها فما نقل عنهم الأتباع و المقلّدون و وقع بأيديهم ممّا لا اعتماد على ذلك فلعلّ المنقول عنه قد كان له وجه صحيح و لكن وقع التحريف عنه، و إن كان المراد أتباعهم و مقلّديهم فالتعارض في أقوالهم لم يحصل من مجرد النظر، بل لأمور اخر يطول شرحها.
و أما عن الثالث فبأنّ الإنسان إذا كرّر النظر و ردّد الفكر شطرا من الزمان في اصول الدين و دعائمه يحصل في القلب نور ينشرح به قلبه، ثمّ بعد ذلك لا ينطفي ذلك النور بسبب القدح في شيء من المقدمات، لأنّها بمنزلة معدّات للمطلوب، لا إنّها علل موجبة ليجب وجودها معه.
و أمّا عن الرابع: فبأنّ علم الكلام حسن تعلمه لأجل التمرّن و الاعتياد لتدقيق النظر و تشحيذ الذهن، و استعماله للاحتجاج على خصماء الدين و أعداء الشريعة، و هو من الفروض الكفايات، و أمّا النظر المؤدّي إلى الكشف و اليقين فليس ذلك ممّا يتعلّق بعلم الكلام، بل هو صنعة اخرى و ليس من صنائع المتكلّمين في شيء، و إنّما
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣١١.