تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٩ - المقام الرابع
هو شأن علماء الآخرة المتدبّرين في آيات اللّه، الناظرين في ملكوت السموات و الأرض.
المقام الرابع
إنّه و إن لم يقبح من اللّه و رسوله التكليف به لكنّه ما أمر به (أمرا- ن) و الدليل عليه إنّ العلم بالأدلة و البراهين المؤديّة إلى هذه المقاصد إن كان ضروريّا غنيّا عن التعلّم لوجب أن يحصل لجميع الناس- و تجويز ذلك مكابرة- و إن لم يكن كذلك بل احتاج إلى تدبّر و استفادة من الكتب، و استعانة من الاستاذين فذلك لا يحصل إلا في السنين المتطاولة بعد الممارسة الشديدة و المباحثة الكثيرة، فلو كان الدين مبنيّا عليه لوجب أن لا يحكم الرسول صلّى اللّه عليه و آله بصحّة اسلام الرجل إلّا بعد أن يسأله عن هذه المسائل و يجرّبه في معرفة الدلائل؛ و لو فعل ذلك لاشتهر- لتوفّر الدواعي على نقل مثله- فلما لم يشتهر- بل المشهور المنقول عنه بالتواتر إنّه كان يحكم بإسلام من يعلم من حاله إنه لا يخطر بباله شيء من ذلك- فعلمنا إنّ ذلك غير معتبر في صحّة الدين.
و الجواب: إن الإسلام- و هو الإقرار اللساني بالشهادتين- غير الايمان- و هو العلم بأصول الدين- و هذا يوجب النجاة عن عذاب اللّه دون الأول، و النبي صلّى اللّه عليه و آله ما حكم بإيمان من لم يعرف ذلك بالحقيقة، بل حكم بإسلامه الموجب لحقن دمه و ماله، و بإسلام من خالف لسانه قلبه أيضا كالمنافقين، أو ما سمعت
إنه لما قال حارثة الأنصاري: «أصبحت مؤمنا حقّا» في جواب قوله صلّى اللّه عليه و آله «كيف أصبحت؟» [١] قال صلّى اللّه عليه و آله: «لكلّ حقّ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟» و لمّا عرض عليه حقيقة إيمانه بما دلّ على عرفانه قال: «أصبت فالزم»
فلم يحكم على إيمانه بالحقيقة ما لم يتفتّش (لم يفتش- ن) عن عرفانه، أو لا ترى إن القرآن مشحون بالأمر بالنظر و التدبّر و الاعتبار و التفكر؟
[١] جاء ما يقرب منه في الكافي: باب حقيقة الايمان: ٢/ ٥٤.