تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧١ - الأول
و الفطن يعلم إنّه لو صدق لاشتغل بعض الاشتغال بسائر فروض الكفايات التي كانت أهمّ من ذلك، و لم يفت عنه كثير من فروض الأعيان، فهل لهذا سبب إلّا أنّ غير ما هو بصدده ليس يتيسّر التوصّل به إلى تولّى الأوقاف و الوصايا، و حيازة مال الأيتام، و تقلّد القضاء و الحكومة، و التقدّم به على الأقران، و التسلّط به على الأعداء؟! هيهات قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء فنعوذ باللّه من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن، و يضحك الشيطان» ثمّ قال: «كان جمع من علماء الظاهر مقرّين بفضل علماء الباطن و أرباب القلوب، و كان الشافعي يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب، و يسأله «كيف يفعل في كذا و كذا» فيقال له: «مثلك يسأل هذا البدوي؟!» فيقول:
«هذا وفق لما علمناه [١]» و كان أحمد بن حنبل و يحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي و لم يكن في علم الظاهر بمنزلتهما فكانا يسألانه «كيف نفعل؟».
انتهى ملخّص ما ذكره في هذا المقام تأييدا لما نحن بصدده من تحقيق المرام و إزالة الشكوك و الأوهام عن ضمير الطلبة ممّن سلمت فطرته من اللجاج و التعنّد و التعصّب للأقوام دون المطرودين من باب دار السلام و من حقّ القول عليهم من اللّه ذي الجلال و الإكرام.
الإشراق الثالث: في دفع شبه الخصوم و اعتراضاتهم على وجوب النظر و لهم في ذلك مقامات:
الأول:
إن النظر لا يفيد العلم؛ و استدلّوا عليه بوجوه:
أحدها إنّا وجدنا العلماء قد تفكّروا و اجتهدوا فحصّلوا عقيب أنظارهم علوما جزموا بها، ثمّ ظهر لهم و لغيرهم إنها كانت أغلاطا باطلة؛ فعلي هذا لا يمكن الجزم
[١] في الأحياء: «هذا وفق لما أغفلناه».